وتنطلق جماعة (عباد الرحمن) في السنغال عموماً بنظرتها الشمولية للدين وتعاملها مع كل أمور الحياة بهدف إيجاد مجتمع إسلامي حقيقي مع ما يتطلبه ذلك من تأنٍ، ومرحلية وتدرّج يتلاءم مع الوضع العام للبلد، وتأخذ بعين الاعتبار تطوّر الجماعة داخل المجتمع دون أن تنسى بالطبع الأهداف التي من أجلها وجدت. وترى الحركة أن أكبر وسيلة لتحقيق أهداف الجماعة هي:"الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وحل الخلاف بالتي هي أحسن، مع التنبيه بما استطاعت إليه سبيلاً".
وللحركة لجنة اجتماعية تقوم بدور اجتماعي بين قادة ورموز المجتمع السنغالي من أحزاب سياسية وطرق صوفية، لكن ذلك لم يمنع من وجود خلاف بينها وبين النظام الاشتراكي الحاكم آنذاك بزعامة عبده ضيوف.. ذلك أن الجماعة ركزت في خطابها الدعوي منذ نشأتها على نقد العلمانية من خلال المحاضرات والملتقيات العامة والنخبوية، وهو أمر ما كان ليروق لنظام متطرف في إعجابه بالعلمانية، مستغلاً في تسلطه الدعم الغربي ومساندة الطرق الصوفية.
وهكذا ظلت العلاقة بين جماعة (عباد الرحمن) والسلطة السياسية القائمة يطبعها شيء من التوتر وإن ظل محكوماً بالأطر القانونية، دون أن يتطور الأمر إلى الصدام إلى نهاية التسعينيات؛ إذ قرّرت الحركة في مؤتمرها السابع الانفتاح على السلطة السياسية القائمة.
حين بدأت العملية السياسية في السنغال تتجه نحو التغيير إثر الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد وارتفاع أعداد الشباب العاطلين عن العمل والمطالبين بتغيير سياسي إلى الأفضل، عقدت الحركة عزمها على المشاركة في اللعبة السياسية، ودعمت رئيس الوزراء السابق مصطفى أنياس في الجولة الأولى مع مجموعة من القوى السياسية المختلفة، وفي الجولة الثانية بدّلت الحركة تحالفها وقرّرت دعم المرشح عبد الله واد رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي المعارض، وتم ما أرادوا، وأعلن رئيس الجمهورية الممسك بزمام الحكم عبده ضيوف هزيمته في الانتخابات وسقط نظامه، ودخلت البلاد في عهد جديد.
إدماج التربية الإسلاميّة في مناهج التعليم
وتحوّلت العلاقة بين الحركة الإسلاميّة والسلطة من سلبية في السابق إلى علاقة تشاور وتبادل مع النظام الجديد، بل شهدت تحسّناً ملحوظاً بعد دعم الحركة للدستور الجديد الذي قدمته الحكومة رغم علمانيّتها بعدما ارتأت الجماعة أنه أفضل للشعب السنغالي من سابقه خصوصاً في مجال الحريات السياسية.
إلا أن العلاقة بين الاثنين شهدت تطوراً سريعاً عام 2002م، وخصوصاً في مؤتمر الحركة الثامن الذي انعقد في داكار في الفترة ما بين 5 إلى 10 مارس، والذي مثل الحكومة فيه وزير الثقافة السنغالي أحمد تيجان وان، والذي عبر عن ارتياح حكومته تجاه الحركة، وقد فاجأ"وان"الحضور بإعلان الحكومة السنغالية الموافقة على إدخال مادة التربية الإسلامية في المدارس النظامية، والذي كان من أهم مطالب الجماعة خلال السنوات الماضية مشيداً بالدور الكبير الذي لعبته الجماعة في تربية وتكوين الشباب .
التنمية والفقر تحدّيات للجميع
وتواجه الحركة الإسلامية بعض التحديات في ضوء الأزمة الاقتصادية السنغالية التي تعاني من نقص الموارد وضعف الإمكانيات؛ في ظل ابتعاد غالبية الشعب عن مبادئ الدين وقيمه الحضارية، وهو أمر يثقل بدون شك كاهل الحركة الإسلامية. لذا فإن الصحوة الإسلامية في السنغال التي قطعت أشواطاً بعيدة في الإصلاح التربوي والاجتماعي لم يبق أمامها سوى خطوات لاستيعاب خبرة العصر وتوظيفها لتعجيل حركة التغيير الاجتماعي، والسعي لحضور رسمي في مؤسسات الدولة يوازي الحضور الشعبي ويكمله ويحصن الجهود المبذولة من خطر الاندثار. كما يُلاحظ كذلك أن الحكومة السنغالية من خلال تعاطيها مع جماعة"عباد الرحمن"تبدو جادة في منهج التغيير الديمقراطي والتدافع السلمي، وحريصة على مد الجسور مع أبناء الحركة الإسلامية، فهي متقدمة في هذا المضمار بدون شك على العديد من حكومات الدول الإسلامية داخل المنطقة وخارجها.
ولعل التحدي الأبرز للصحوة الإسلامية هو نجاحها في تفعيل لجنة للزكاة لمواجهة العراقيل التنموية في ظل الإسراف غير المبرر من أتباع الحركات الصوفية للمسؤولين الحكوميين الذين يستهويهم الفساد المالي واستغلال أموال وهبات أتباع التيجانية في مشروعات خاصة تؤثر سلباً في تنمية المجتمع السنغالي الذي يتهدّده الفقر ومشروعات التنصير التي ترفعها المنظمات التنصيرية الدولية التي تغزو غرب إفريقية التي تتمتع بغالبية كبيرة من المسلمين لا تروق للمنظمات الكنسيّة التي تترعرع مشروعاتها وسط جهل المسلمين وفاقتهم الاقتصادية.
ولعل جهود الصحوة الإسلامية بمختلف منظماتها الخيرية بدت أكثر اهتماماً بالموارد الذاتية والداخلية بعد حملات الإغلاق بحق المنظمات الإسلامية الخيرية ومنظمات الإغاثة الإنسانية ذات الطابع الإسلامي بعد تبني غالبية دول العالم لشعارات مكافحة الإرهاب وقطع سبل تمويل مشروعات الكفالة لجوعى وفقراء إفريقية والمسلمين.