فهرس الكتاب

الصفحة 22504 من 27364

…العقلانية - بمعني التفسير العقلاني لكل شئ في الوجود ، أو تمرير كل شئ في الوجود من قناة العقل لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه - مذهب قديم في البشرية ، يبرز أشد ما يبرز في الفلسفة الإغريقية القديمة ، ويمثله أشد ما يمثله سقراط و أرسطو .

ولقد ظلت الاتجاهات الفلسفية الاغريقية التي تمثل العقلانية قسما بارزا منها - تسيطر علي الفكر الأوربي - حتي جاءت المسحية الكنسية فغيرت مجري ذلك الفكر الأوربي عدة قرون. فلم يعد العقل هو المرجع في قضايا الوجود إنما صار هو الوحي - كما تقدمه الكنيسة - وانحصرت مهمة العقل في خدمة ذلك الوحي في صورته الكنسية تلك ، ومحاولة تقديمه في ثوب"معقول"

يقول الدكتور محمد البهي في كتابه"الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي":"كان الدين أ, النص طوال القرون الوسطي سائدا في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته ، وفي فهمة للطبيعة ، وكان يقصد بالدين"المسيحية"وكان يراد من المسيحية"الكتلكة"وكانت الكثلكة تعبر عن"البابوية"والبابوية نظام كنسي ركز"السلطة العليا"باسم الله في يد الباب ، وقصر حق تفسير"الكتاب المقدس"علي الباب وأعضاء مجلسة من الطبقة الروحية الكبري ، وسوي في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وأفهام الكنيسة الكاثوليكية" (1)

وقد نشأت عن ذلك في الحياة الأوروبية والفكر الأوروبي مجموعة من الاختلالات عرضنا لبعضها في الفصول السابقة ، وقد نعرض لها أو لغيرها مرة أخري في هذا الفصل ، ولكنا نبادر هنا فنقول إن هذه الاختلالات لم تنشأ - كما تصور الفكر الأوروبي في مبدأ عصر النهضة - من إهمال الفلسفة والعلوم الاغريقية والالتجاء إلي الفكر"الديني"فلم يكن"الفكر الديني"من حيث المبدأ ، ولا إخضاع العقل للوحي هو مصدر الخلل في فكر العصور الوسطي في أوروبا ، إنما كان الخلل كانا في ذلك الفكر الذي قدمته الكنيسة باسم الدين ، وفي إخضاع العقل لما زعمت الكنيسة أنه الوحي ، بعد تحريفها ما حرفت منه ، وإضافتها ما أضافت إليه ، ومزج كله بعضه إلي بعض وتقديمه باسم الوحي .

والفلسفة الإغريقية التي ظنت أوروبا في عصر النهضة أن ضلالها في العصور الوسطي كان بسبب إهمالها ، وأن العلاج هو الرجوع إليها والاستمداد منها ، لم تكن هي في ذاتها برئية من الخلل ولا سليمة من العيوب ، ولا كانت في صورتها التي قدمت فلاسفة الإغريق القدامي زادا صالحا لحياة إنسانية مستقيمة راشدة ، علي الرغم من كل ما احتوته من إبداع فكري في بعض جوانبها .. وإنما ظل الفكر الأوربي في الحقيقة ينتقل من جاهلية إلي جاهلية حتي عصره الحاضر . فمن الجاهلية الإغريقية والرومانية، إلي الجاهلية الدين الكنسي المحرف في العصور الوسطي ، إلي جاهلية عصر الاحياء ، إلي جاهلية عصر"التنوير"إلي جاهلية الفلسفة الوضعية .. إلي الجاهلية المعاصرة .

وليس همنا في هذا الفصل أن نستعرض انحرافات الفكر الغربي في جاهلياته المتتابعة ، إنما يهمنا فقط أن نتابع خط العقلانية في ذلك الفكر ، ثم نخص بالحديث العقلانية المعاصرة

كانت العقلانية الاغريقية لونا من عبادة العقل وتألهيه ، وإعطائه حجما مزيفا أكبر بكثير من حقيقته ، كما كانت في الوقت نفسه لونا من تحويل الوجود كله إلي"قضايا"تجريدية مهما يكن من صفائها وتبلورها فهي بلا شك شئ مختلف عن الوجود ذاته ، حركته الموارة الدائمة ، بمقدار ما يختلف"القانون"الذي يفسر الحركة عن الحركة ذاتها ، وبمقدار ما تخلف البلورة عن السائل الذي نتجت عنه .. قضايا تعالج معالجة كاملة في الذهن بصرف النظر عن وجودها الواقعي ! وبصرف النظر عن كون وجودها الواقعي يقبل ذلك التفسير العقلاني في الواقع أو لا يقبله ، ويتمشي معه أ, يخالفه !

وكان أشد مايبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة"لقضية"الألوهية و"قضية"الكون المادي وما بينهما من علاقة ويتشعب هذا الانحراف شعبا كثيرة في وقت واحد .

فأول انحراف هو محاولة اقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلا عن أن يحيط بكنهة في قضية الذات الإلهية , فمن باب احترام العقل لذاته ومعرفته لطبيعة وحدود مقدرته ، وما كان لهذا العقل أن يقتحم ميدانا ليس بطبيعته مؤهلا لاقتحامه ، ولا قدرة له علي الخوض فيه .

وإن المحدود لا يتسني له أن يحيط بغير المحدود ، والفاني لا قدرة له علي الإحاطة بحقيقة الأزل والأبد ، حيث لا بداية ولا نهاية ولا حدود . إنما يستطيع العقل أن"يتصور"ذلك لونا من التصور ، وأن يدرك أنه يمكن أن يوجد علي هذه الصورة .. أما أن يحيط"بكنهة"علي أي نحو من الانحاء فقضية أخري خارجة عن نطاق العقل ، وهي التي نقول إن احترام العقل لذاته ومعرفته لطبيعته وحدود مقدرته هي التي توجب عليه أن يتجنب الخوض فيها لأنه لن يصل فيها إلي شئ له اعتبار .

(1) ص 279 من الطبعة الثامنة

وليس معني هذا أن"الدين"كله أمر خارج عن نطاق العقل ، أو أن الاعتقاد في وجود الله ومعرفة صفاته أمر لا نصيب فيه للعقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت