فهرس الكتاب
كلا .. إنما يدخل العقل إلي هذا الميدان من بابن الذي هو مؤهل بطبيعته ان يدخل منه ، لا من الباب الذي لا يقدر علي فتحه ، والذي يضل فيه لو اقتحمه بغير أداتة ! يدخل من باب إدارك أثارة القدرة الإلهية والاستدلال من هذه الآثار علي وجود الله ، ومعرفة صفاته التي تفرد بها دون الخلق ، ولكن لا يدخل من باب"الكنة"الذي لا يقدر عليه ولا يصل إلي نتيجة فيه (1)
أرايت لو أنك أدخلت مفتاحا في قفل أكبر منه ، فظل يدور في القفل ويدور دون أن يصل إلي فتحة ، فهل تظل تقول إن هذا المفتاح صالح لكل شئ ، ولا بد أن تفتح به جميع الأبواب ، ولو بقيت الدهور تدير المفتاح في القفل فلا يفتح لك الباب ؟! أم تتواضع أمام الأمر الواقع ، وتقر بأن هذا المفتاح لا يصلح لذلك الباب ، وتبحث له عن مفتاح أخر يناسبه ، وتحتفظ بمفتاحك للباب الذي يحسن فتحه !
ليس العيب في القفل ولا في المفتاح ! إنما العيب في إنك أنت تحاول أن تقتحم به باب لا يقدر علي اقتحامه !.
وحين اصرت الفلسفة اليونانية - ومن تبعها بعد من فلاسفة النصاري وفلاسفة المسلمين - أن يقتحموا باب الكنة بمفتاح العقل فقد وصلوا جميعا إلي ذلك التخبط الذي يملأ كتب الفلسفة كلها من أول التاريخ إلي آخر التاريخ !
لا جرم أن تجد ارسطو ، الذي يعتبره دارسو الفلسفة اعظم"عقل"في التاريخ القديم ، يصف إلهه - بعقله - علي هذه الصورة:
يقول"العقاد"في كتاب"حقائق الإسلام وأباطيل خصومه":
"ومذهب أرسطو في الإله أ،ه كائن أزلي أبدي مطلق الكمال لا أول له ولا أخر ولا عمل له ولا إرادة . منذ كان العلم طلبا لشئ والله غني عن كل طلب ، وقد كانت الإرادة اختياربين أمرين ، والله قد اجتمع عنده الأصلح والأفضل من كل كمال فلا حاجة به إلي الاختيار بين صالح وغير صالح ولا بين فاضل ومفضول وليس مما يناسب الإله في رأي أرسطوا أن يبتدئ العمل في زمان لأنه أبدي سرمدي لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلي العمل ، ولا يستجد عليه من جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر ولا جديد ولا قديم ، وكل ما يناسب كماله فهو السعادة بنعمة بقائه التي لا بغية وراءها ولا نعمة فوقها ولا دونها ، ولا تخرج عن نطاقها عناية تعنيه ."
"فالإله الكامل المطلق الكمال لا يعنيه أن يخلق العالم أو يخلق مادته الأولي وهي"الهيولي".. ولكن هذه"الهيولي"قابلة للوجود يخرجها من القوة إلي الفعل شوقها إلي الوجود الذي يفيض عليها من قبل الإله ، فيدفعها هذا الشوق إلي الوجود ، ثم يدفعها من النقص إلي الكمال المستطاع في حدودها ، فتتحرك بما فيها من الشوق والقابلية ، ولا يقال عنها إنها من خلقه الله إلا أن تكون الخلقة علي هذا الاعتبار .. (2) "
ويعلق العقاد - بصدق - علي هذا التصور فيقول:
"كمال مطلق لا يعمل ولا يريد"
"أو كمال مطلق يوشك أن يكون هو و العدم المطلق علي حد سواء (3) "
والانحراف الثاني هو تحويل الموضوع كله إلي قضايا فلسفية ذهنية بحته ، تبدأ في العقل وتنتهي في العقل ، ويثبت ما يثبت منها وينفي ما ينفي بالعقل ، فلا تمس الوجدان البشري ، ولا تؤثر في سلوك الإنسان العملي ، فتفقد قيمتها في واقع الحياة ..
إن موضوع الألوهية ليس موضوعا فلسفيا بالصورة التي تتناوله بها الفلسفة ، إنما هو موضوع ط العقدية"والرق بين الفلسفة والعقيدة أن الفلسفة تخاطب الذهن وحده ، تبدأ من هناك وتنتهي هناك .. ولا تتجاوز الذهن إلي الواقع الحي الذي يعيشه الإنسان في الأرض , أما العقيدة فتخاطب الكيان الإنساني كله / عقله وجسمه وروحه وكل شئ فيه . إنها لا تسكن كما تسكن الفكرة في الذهن ، ولا تتحرك حول نفسها في الفراغ كما تتحرك الفكرة في الذهن أن تحركت ، إنما هي دائما تدفع الإنسان إلي"سلوك"معين ينبثق منها ويتناسق معها ، وإلي"حركة"معينة وجدانية وسلوكية وفكرية في عالم الواقع ."
(1) سنعود غلي تفصيل هذه النقطة عند بسيط وجه النظر الإسلامية في قضية العقل والعقلانية
(2) ص 33-34 من طبعة دار الهلال بالقاهرة سنة 1969
(3) ص 34 من المرجع السابق
ومن ثم لم تكن الفلسفة قط من وسائل الهداية للبشرية ! إن غاية ما يمكن أن تصل إليه هو نوع من المتعة العقلية عند هواة هذا اللون من المتعة ، وهم بطبيعتهم محدودون ولكنها - وحدها - لم تنشئ قط أمة ولم تحرك أمة ، والقليلون الذين يجدون فيها المتعة العقلية ينتهي بهم الأمر إلي هذا المتاع الذاتي ولا زيادة . أو أن تحركوا فلا تزيد حركتهم علي محاولة إحداث هذه المتعة عند محموعة قليلة حولها . ولا زيادة إنها لا تهدف إلي إحداث"سلوك"معين في واقع حياة الناس ، ولا تملك ذلك ونظرة سريعة إلي واقع المجتمع الإغريقي الذي عاش فيه أولئك الفلاسفة والمفكرين الكبار تبين هذه الحقيقة بوضوح ، فما كانت هناك صلة علي الإطلاق بين"أفكار"هؤلاء الفلاسفة"و"واقع"الناس هؤلاء يتكلمون في"الحكمة"وفي السلوك الإنساني"كما ينبغي أن يكون"والمجتمع غارق في كل أنواع الفسق والرذيلة والفساد والظلم ولا يعني نفسه بشئ مما يملأ"أذهان"أولئك المفكرين"
أما العقيدة فلها شأن أخر