فهرس الكتاب
أنها تخاطب العقل فيما تخاطبه من كيان الإنسان ، ولكن لا من أجل المتعة العقلية كما تصنع الفلسفة ، بل من أجل إحداث الوعي اللازم بحقيقة الألوهية ، الذي يترتب عليه الوعي بالالتزام الواجب تجاه تلك الحقيقة .. أي الالتزام بمقام العبودية ، الذي يستلزم الحب والخشية والطاعة والاستقامة علي أمر الله
ثم إنها تخاطب الوجدان .. أو قل إنها تركز خطابها مع الوجدان - وإن كانت قط لا تهمل مخاطبة العقل - لأن الوحدان أن هو الإداة المثل لتحويل قيم العقيدة ومبادئها إلي سلوك عملي ، لأنه حي منفعل متحرك . فهو الأقدر علي تلقي الشحنة العقيدية ، هو الأقدر علي ترجمتها في صورة واقعية حية ، لأن من طبيعته أن ينفعل بما يتلقي ، ويشع من هذا الانفعال في داخل النفس يقينا اعتقاديا من جهة ، وتوجها متحركا يتناسق مع هذا اليقين من جهة أخري .
ولذلك كانت العقدية الحية دائما هي التي تنشئ الأمم وتحكم السلوك البشري ، وكانت دائما هي سبيل الهداية للبشرية ..
ويحدث ولا شك فتور في العقيدة في نفوس الأمر ونفوس الأفراد ، ويحدث ولا شك تفلت من المقتضيات السلوكية للعقيدة في صورة معاص وانحرافات ، ولكن يظل الأمر في اسوأ حالاته مختلفا عن الشأن مع الفلسفة فمع العقيدة هناك ارتباط قوي في أصله يمكن أن يطرأ عليه الضعف ، ومع الفلسفة لا يوجد ارتباط علي الإطلاق .
وموضوع الأولهية هو أصلا موضوع عقيدة .. أو هو موضوع"العقيدة"باعتبار الانسان كائنا معتقدا بطبعه ، عابدا بفطرته ، حتي أن ضلت هذه الفطرة عن طريقها السوي لسبب من الأسباب وليس معني ذلك أنه محرم علي الفلسفة - أو الفكر - أن يتناوله . ولكنه حين يتناوله علي النحو الذي تناولته به الفلسفة الإغريقية العقلانية ، وتبعها فيه فلاسفة النصاري فيما يعرف"باللاهوت"وفلاسفة المسلمين فيما يسمي"الفلسفة الإسلامية"أي التناول الذهني التجريدي الخالص ،يكون قد انحرف به عن طريقه الأصيل ، وحوله إلي"كلام"و"أفكار"لا تنشئ سلوكا واقعيا ، ولا تغير شيئا في حياة الناس … فيتحول إلي زبد لا ينفع.
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [سورة الرعد 13/17]
وأما الإنخراف الثالث الناشئ من التناول العقلاني لقضية الأوهية ، وعدم الرجوع فيها إلي المصدر اليقيني الأوحد وهو الوحي الرباني ، فهو تخبط الفلاسفة فيما بينهم وتعارض ما يقوله كل واحد منهم منع ما يقوله الآخر .
ولا عجب في ذلك ، فما دام"العقل"هو المحكم في هذه القضية ، فعقل من ؟! إن العقل المطلق أو العقل المثالي وتجريد لا وجود له في عالم الواقع ! إنما الموجود في الواقع هو عقل هذا المفكر وذاك المفكر لكل منهم طريقته الخاصة في"تعقل"الأمور ،ولكل منهم"نوازعه"الخاصة التي يحسبها بعيدة عن التأثير في عقله وهو واهم في حسابه ، ولكل منهم اهتماماته الخاصة التي تجعله يركز علي أمور ويغفل غيرها من الأمور .
ومن ثم لا تصبح تلك الفلسفة في هذه القضية بالذات أداة هداية وإنما أداة تشتيت وأداة تضليل .
وما نريد أن نتطرق لتقويم موقف تلك الفلسفة العقلانية من القضايا الأخري غير قضية الألوهية فقد يكون لها توفيقاتها في بعض جوابها الفكر البشري ، وقد تكون فائدتها الأساسية تنمية القدرة علي إدراك الكليات التي تحكم الجزئيات ، وتلك مباحث لا تبتغي في مثل بحثنا الحاضر .. ولكننا نشير إشارة موجزة هنا ، نعود إلي تفصيلها فيما بعد ، إلي أن هذه العقلانية تكاد تقف نفس الموقف من قضية أخري لا تقل خطورة في حياة الناس عن قضية الألوهية ، وهي قضية"منهج الحياة"الذي ينبغي أن يسير عليه البشر فقد تخطبت تلك"الفلسفة" (1) في تلك المسألة من اقصي اليمين إلي أقصي الشمال فضلا عن كونها حولتها إلي أحلام طوباوية أو ذهنية لا علاقة لها بواقع الحياة ، ومن ثم لا أثر لها في واقع الحياة !
(1) في هذه القضية في الحقيقة تحبطت كل الفلسفات كما سيأتي ذكره فيما بعد ، ولكن كل فلسفة كان لها في تخبطها مدخلها الخاص
من هذه الجاهلية انتقل الفكر الأوروبي إلي عصر"سيادة الدين"
وكان المفروض أن يخرج ذلك الفكر إذن من الجاهلية إلي النور ، ولكنه في الحقيقة دخل إلي ظلمات حالكة ليس فيها حتي ذلك"البريق"الذي تيمزت به الفلسفة الاغريقية في كثير من المواضع بصرف النظر عن القيمة الحقيقة لذلك البريق ، وعن كونه بريقا هاديا ام مضللا عن الطريق !
كان المفروض وقد التزم العقل بالوحي ، واستمد منه اليقين والهدي 0- في المسائل التي لا يهتدي فيها وحده ولا يستيقن فيها بمفرده - أن ينطلق الفكر في ميادينه الأصلية يبدع وينتج ، ويمد"الإنسان"بما يحتاج إليه في شئون"الخلافة"وعمارة الأرض