محمد جلال القصاص
للشريعة الإسلامية خصوصية تكاد تكون مطلقة ، تطال كل شيء ، المعاني اللغوية للألفاظ ، والمفاهيم والتصورات .
نعم قد تتقاطع مع غيرها أحيانا إلا أنها بجملتها تظل مستقلة [1] ، فالصلاة في اللغة غير الصلاة في الشرع وإن تقاطعت المعاني ، والصوم في اللغة غير الصوم في الشرع وإن تقاطعت المعاني ، والآذان في اللغة غير الآذان في الشرع وإن تقاطعت المعاني . وكذا مفهوم النصر والهزيمة في الشرع غير مفهومه عند الجاهلية وإن تقاطعت المعاني .
هذه الخصوصية تتصادم مع ما يكن في صدور المنافقين ، فمن يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل قريشا ، ويهاجم بني سليم [2] ـ وهم فرسان ذوي عدد ـ ويرسل السرايا لنجد وطيئ وغطفان ودومة الجندل ـ وهم ألوف مؤلفة ـ ويراسل الملوك بما يشبه التهديد ( أسلم تسلم ) ، ويخرج للروم يرابط في أرضهم ، وكل هذا ولم يَبْنِ أسوارا حول المدينة ، ولم يتخذ تلك الاحتياطات التي يتكلم بها ( استراتيجيو ) اليوم . من يقول بهذا ؟
قد كان يعتمد على أسباب أخرى يطلب بها النصر ويدفع بها الهزيمة .
يتعارض هذا مع ما يكن في صدور المنافقين ، أولئك الذين يحسبون الأمر بحسابات أخرى عقلية وحسية ، ولا ترى أعينهم إلا تحت أقدامهم ، ولا يثقون إلا بما في أيديهم . وتدبر:
في العام الخامس من الهجرة تحزبت الأحزاب من شمال مضر وجنوبها ، بتحريض من يهود ، وزحفت على المدينة كالجراد المنتشر . عدد المقاتلين ثلاثة أضعاف ـ أو يزيد ـ مَن بالمدينة من الرجال والنساء ،سُليم بفرسانها ، وقريشٌ تعضُّ على أضراسها غيظا على أبنائها وأشرافها ، وغطفان بطَمََعها وحمقها وكثرة عددها ، وأفاعي يهود سوداء صلعاء سمينة طويلة حقود في جحورها تدور عيونها ... تبحث عن ثغرة وتنتظر فرصة لتغدر كعادتها ، هنالك كان قول المؤمنين: { هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } [ الأحزاب:من الآية 22] ، وكان قول المنافقين { مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً } [ الأحزاب: 12]
وهم يحفرون الخندق ، راح رسول الله ــ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يدك الكدية بالمعول ويكبر ويكبرون ، ويبشر بفتح الفرس والروم ، ويصدق المؤمنون ، ويتغامز المنافقون: ( يعدنا فتح فارس والروم ، وقد حصرنا ها هنا ، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته ، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) [3] قد كان المنافقون عقلانيون ، أو قد كان العقلانيون هم المنافقون ، ينظرون للأمور بعقلانية ، لم يفهموا أن للشريعة خصوصية ، وأن هناك خصوصية للشريعة في الأسباب التي تبذل لطلب النصر ودفع الهزيمة . إنهم المنافقون ... العقلانيون .
والأمور لا تسير بتلك العقلانية ، والأشياء لا تحصل بتلك الأسباب التي يتكلم بها العبيد ، قد صدق الله ورسوله ، وأنجز الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، وفتحت فارس بنطحة أو نطحتين ، وخرجت الروم ذات القرون من الشام . ومكن الله لأوليائه .
وقفوا يومَ بدر بين المشركين ـ بدعوى أنهم مضطرين ـ ونظروا للفريقين ، بنظرة المنافق الذي يحسب الأمور بعقله ، ويغيب عنه التوكل على الله ، وأن للشريعة خصوصية في طلب النصر ودفع الهزيمة ، فقالوا قولتهم التي سجلها عليهم القرآن ( غرّ هؤلاء دينهم ) { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [الأنفال:من الآية 49] [4]
وقفوا يسخرون من عقول المسلمين وتفكيرهم الذي جعلهم يقدمون على يوم كيوم بدر . [5]
وفي العام السادس من الهجرة والحرب لم تضع أوزارها ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا ، وكان الذهاب إلى مكة بلا سلاح ولا عتاد وفي ذلك الحين والحرب لم تضع أوزارها وقريش لم تثأر لأشرافها وأبنائها يخالف ما تمليه العقول على أصحابها فقد قتل أشرافهم وأذل بالأسر رجالهم وأخذ أموالهم ، وهم قد غدروا به وتنكروا لأعرافهم هم قبل أعراف غيرهم فلم يرقبوا فيه إلا ولا ذمة ، وهم قد جاءوه بالأمس في المدينة طلبا لثأرهم في يوم أحد ويوم الخندق ، واليوم يذهب إليهم محرما ؟! بلا سلاح ولا عتاد ؟!
من يقول بهذا ؟
أي عقل يقبل هذا ؟! [6]