حامد بن عبدالعزيز الحامد 17/9/1424
"حامد الحامد يتحدث عن الأطر المتعددة في العلاقة بين الناس وحقوقها التي تتكامل ولا تتقاطع فهل من واع ؟".
(المشرف على النافذة)
وأعني بهذه الأطر العلاقات التي تربط الإنسان بمن حوله، كالدين والبيئة والرحم والتوافق الفكري والوظيفي وغير ذلك من العلاقات.
إن الإنسان بفطرته يعلم أن لكل علاقة من هذه العلاقات حقوقا خاصة.
وإذا أردنا أن نمثل هذه الأطر المتعددة على شكل دائرة هندسية فإننا نجعل الإسلام في إطار، والبيئة في إطار، والرحم في إطار، والتوافق الفكري - كمذهب فقهي أو مشروع إصلاحي أو انتماء حزبي أو نحو ذلك- في إطار.
وبعد تحديد هذه الأطر وتمييزها ومعرفتنا لحقوقها نعطي كل إطار حقه، لنعيش في عالم الإنصاف الذي ننشده من رجال التصنيف، المتفرغين للرد على الملحدين، بارك الله في ما عندهم من حسن الأعمال، وشغلهم بها عن سيء الأقوال.
إن معرفتي للحقوق التي تجب لي وعلي من هذه الأطر المتعددة يجعلني لا أبخس المسلم حقه الذي شرعه له هذا الإطار لأنه يخالفني في الإطار الآخر، فلا مجال هنا للمداينة واستلاف الحقوق، فضلا عن انتهاب ما في إطار الإسلام بعدما تم تفريغ الإطار الآخر من الحقوق التي علي للآخر.
إن قضية الأطر المتعددة هي التي جعلت صلى الله عليه وسلم يتعامل مع اليهود كما ينبغي، وكما وفر لهم الإطار الذي ربطهم بالرسو صلى الله عليه وسلم ، فهو يعاهدهم ويضيفهم ويقبل دعوتهم ويساكنهم في المدينة ويضحك لقولهم، بل مات ودرعه مرهونة عند اليهودي.
وكمثال آخر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع ما اشتهر به من الردود على الأشاعرة إلا أنه في التعامل معهم يعرف ما لهم من حقوق بموجب الأطر التي تربطه بهم، إنه يعلم أنهم هم القطاع الأكبر من شرائح المسلمين، ومع ذلك كان يصلي معهم، ويتعامل معهم كما يتعامل المسلم مع أخيه، ويجاهد معهم ويعدهم بالنصر.
وفي العصر الحاضر الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله الذي عرف بسعة صدره، وتقبله للخصوم، فلم يتهجم عليهم باسم الدين، ولم يعقد ضدهم الولاء والبراء غضبا لله ورسوله!! لأنه يعلم أن القرآن نزل على محمد بن عبد الله النبي الأمي، ولم ينزل عليه.
إن إجادة التصنيف التي يحتكرها قوم من بني جلدتنا هو الفن الذي كان يستمطر منه الحطيئة رزقه في القرون المفضلة، إلا أن هذا الفن اجترفته الحداثة، فأدخلته محل التخسيس، وأجرت عليه بعض التجميلات، ليلائم القرن الحادي والعشرين، ويتفق مع عصر العولمة، فتغيرت سلوكياته من هجاء شعري إلى خطاب ديني، يجعل من الحبة قبة، ومن الفرع أصلا، ويتكلم باسم الله، ليدخل الجنة من شاء، ويحرمها من شاء، ويصدر صك الحرمان بمجموعة أوراق تصنف المحروم بأنه علماني، لينال التصفيق الحار من الجمهور المبارك، مع العلم بأن هذا فكر غربي، مستورد من الكنيسة التي تحرم من خرجوا عليها من العلماء صكوك الغفران!!.
إن لغة الهجاء في الخطاب الديني بدعة حدثت بعد القرون المفضلة، وترجع أصولها إلى الشيعة الإمامية التي أحدثت في كتبها"المثالب"، عوضا عما في كتب أهل السنة"المناقب".
ولغة الهجاء هذه نوع من السحر، تفرق فيه بين الأخ وأخيه، والأب وبنيه، والمرء وفصيلته التي تؤويه.
علما بأن هذه اللغة قد رخص الشيطان سعرها، وأعظم قدرها، لتكون مبتذلة يمتلكها من له لسان، أو تعلم حرفة البنان.
ما أجمل أن أناقشك أفكارك، أو أخالفك آراءك، مع احتفاظي لك بالحقوق التي توفرها لك هذه الأطر المتعددة.
لا بأس أن تخالفني، بل يجب أن تخالفني، لا لذات المخالفة، بل لأن العقول لا يمكن أن تتحد إلا إذا كانت ملكا للمجانين أو المنافقين.
إنك لو بحثت عن هذا المصنف الذي يتكلم باسم الدين والذي ينتهك حقوق إطار الإسلام لوجدت سبب تصنيفه إنما هو انتصار لإطار الطائفة أو الحزب الذي ينتمي إليه، بينما يزعم أنه انتصار لإطار الإسلام، مما يجعله يرمي بالمخالف خارج الإطار الإسلامي.
ولذلك فليس غريبا أن تجد التصنيف رائجا عند من ينتمي إلى طائفة معينة، أو حزب معين، قد أشرب مسائلهم وآراءهم، ولم يعرف رأيا لغيرهم - وإن كان يعرف فهو مما حَكَته عليه طائفته من نوادر الطوائف الأخرى ومثالبها، لتؤكد له على أحقية آرائها، وصدق نظرياتها-.
وكذلك ليس غريبا أن تُكثر القطعياتُ عنده أفراخها، لأنه تعود على أحادية الرأي، ومن ثَم على حدة المزاج.
إن إطار الإسلام - وهو الذي يعنينا في هذا الموضوع- رحب الفناء، قوي الحصون، فالقطعيات التي يكفر مخالفها قليلة بالنسبة إلى الظنيات.
فالقرآن قطعي الثبوت، لكن دلالته تكون ظنية - وهنا لا يكفر المخالف- وتكون قطعية، والسنة إما أن تكون متواترة، والمتواتر إما قطعي الدلالة أو ظني، أو تكون آحادا، وكله ظني.
والإجماع إن نقل بطريق التواتر فهو قطعي، وإلا كان ظنيا.
وبهذا تعلم قلة القطعيات، ولا يكفر الشخص إلا إذا خالف فيما هو قطعي الثبوت والدلالة.
وفي هذا يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا إلا في مسألة واحدة، وهي أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول صلى الله عليه وسلم