د. طريف الخالدي*
من بين ما تتحفنا به الثقافة العالمية المعاصرة سلسلة من المقولات التي تختصر نظاماً فكرياً معقداً بكلمة أو كلمتين، ولعل السبب في ذلك أننا وفي أيامنا هذه نرى من الضروري لنا أن نختزل الكلام توطئة لتسويقه أو ترويجه، فهناك مثلاً مقولة"الواسطة هي الرسالة"في علم الإعلام، وهناك مقولة"الأقل هو الأكثر"في فن العمارة، وهناك مقولة"تطور الفرد يستعيد تطور الجنس"في علم الأحياء، وإلى ما هنالك من شعارات تحشر الفكر في كبسولة يسهل على الإنسان هضمها والاستفادة منها لأغراض الترويج، ولا عجب فنحن في عصر اللقمة الصوتية.
ومن بين هذه المقولات واحدة تهمني لأسباب مهنية، وهي مقولة لا تاريخ بل تأريخ، أو حتى لا ماض بل روايات عن الماضي، أو إذا شئتم لا حقيقة تاريخية بل قصص، وهذه المقولة سلاح بتار، فإذا أخذنا هذا السلاح بقوة جاز لنا أن نبتز أي نظام فكري أو سياسي، أو أي مجتمع بشري عن تاريخه فتصبح حقيقته التاريخية سلسلة من القصص، ويبقى النظام المعين أو المجتمع المعين معلقاً في الهواء، يطفو على سحب من الأساطير.
مقدمة سريعة لا بد منها للاقتراب من موضوعي هذا اليوم ( جانب الصراع السياسي والإنساني الدائر حالياً حول مدينة القدس ) يدور صراع آخر خفي وهو الصراع الذي يتمحور حول تأريخ القدس، وهذا الصراع الآخر ليس بالأمر الطارئ طبعاً، فالصهيونية منذ أن وجدت تسعى بلا كلل لكي تخترع فلسطين من جديد.
فهي ما فتئت تقتلع وتخترع، وتمحي ثم تبني على أنقاض ما محت، وفي خضم هذا السيل الجارف الماحي نلمح وبوضوح رغبة صهيونية حيثية لإعادة كتابة التاريخ وذلك لكي يتكامل جرف الأرض مع جرف تاريخها، وإذا أخذنا بمقولة لا حقيقة تاريخية بل قصص، وتوخينا الدقة والإنصاف والعدل فقد نستنتج أن هذا الصراع يدور حول القصص، أي قصصنا نحن في مواجهة قصصهم، غير أن الأمر ليس على هذا النسق أبداً، فالصهيونية تقول لنا منذ البدء أن قصصنا وهمية، وأن قصصهم حقيقية تاريخية، أي أن قواعد هذه اللعبة تتغير حسبما يشاء الخصم الصهيوني، فهو كالفريق الذي كلما اقتربت الكرة من مرماه ينزع المرمى من مكانه ويركض به إلى مكان أبعد.
فالاستشراق الصهيوني نظام فكري من طراز فريد، فإن الصراع التأريخي الذي يدور بيننا وبينه ليس كمثل الصراعات الدائرة في أماكن أخرى من عالمنا المعاصر كالصراع على تاريخ الهند مثلاً بين المؤرخين الهنود والبريطانيين، أو على تاريخ أفريقيا بين المؤرخين الأفارقة والأوروبيين، بل هو صراع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصير أرض يجري تغيير ملامحها ساعة بعد ساعة، إن هذا الاستشراق يسعى إلى تثبيت تاريخه هو ونفي تاريخنا نحن جملاً وتفصيلاً، ومن أبرز مقولات هذا الاستشراق فيما يتعلق بتاريخ القدس العربي المبكر كما نلمحها في الكتب والمجلات التي يستخدمها هذا الاستشراق في سبيل الوصول إلى غاياته تحت ستار مما يشبه البحث العملي.
أولاً: يقول لنا هذا الاستشراق إن المصادر العربية الإسلامية حول تاريخ القدس في الفترة الأولى التي تلت الفتح متناقضة متضاربة ومنمطة - أي أنها على شكل نماذج من القصص الشعبية التي أخذها الإسلام أما من الأديان الأخرى، وخصوصاً اليهودية، أو الذي اتخذ شكل النمط والنموذج الذي مثيله الأقرب هو الأدبيات والأساطير الشعبية -.
من هنا فالوصول إلى أية حقيقة تاريخية استناداً إلى هذه المصادر أمر شبه مستحيل، وليس بالإمكان أكثر من أن يكتشف المؤرخ النية من وراء هذه القصص وهي في الأغلب تعكس رغبات أجيال من المؤرخين العرب المسلمين عاشت بعد الأحداث بمئات السنين، وحاولت خلق تاريخ ملائم للقدس.
ثانياً: يقول الاستشراق أيضاً أن دخول عمر بن الخطاب إلى القدس، ولقاءه البطريرك صفرونيوس هو وهم ومجرد أسطورة الغاية منها إضفاء الاحترام والإجلال على القدس، وكلها قصص ابتدعها خيال جيل لاحق من المؤرخين العرب، ولربما في أيام الحروب الصليبية مثلما يقول بعض المستشرقين.
ثالثاً: إن الإشارة الواردة في القرآن الكريم إلى الإسراء والمعراج لا تدل على القدس تحديداً، أما أحاديث الإسراء فتنتمي إلى عصور متأخرة أراد فيها المسلمون التأكيد على أهمية القدس لأسباب سياسية، إذ لا ترد أية إشارة إلى الإسراء والمعراج في الآيات والكتابات الواردة على جدران قبة الصخرة مثلاً، وهو أمر متوقع فيما لو كانت القدس هي المقصودة في الآيات القرآنية.
رابعاً: إن القدس لم تتمتع بأية مكانة خاصة لا على المستوى الديني، ولا على المستوى السياسي في العصور العربية الإسلامية الأولى، ولم تكتسب القدس مكانتها سوى بعد مضي قرون عديدة، أما في العصور الأولى فقد كانت مدينة هامشية دينياً وسياسياً، ورغم أهمية قبة الصخرة والمسجد الأقصى في ميدان العمارة، فإن هذين البناءين لا يدلان بوضوح على أية أهمية خاصة ترتبط بمكانة القدس.