فهرس الكتاب

الصفحة 9894 من 27364

هذه باختصار بعض المقولات الرئيسية التي نجدها في ثنايا الاستشراق الصهيوني ذي الشكل الأكاديمي، وهي مقولات تعكس بجلاء ذهنية صهيونية ما برحت تقول لنا ومنذ عشرات السنين: إن تاريخهم أكثر قدسية من تاريخنا، كما يرد مثلاً في أقوال نسبت إلى شمعون بيريز منذ زمن ليس ببعيد: قد يكون لكم أيها العرب بعض الروابط التاريخية مع القدس لكن تاريخنا هو الأقدس.

وفيما تلوح مدينة القدس أمامنا وكأنها قادمة على حل نهائي يبدو من الواجب لنا أن نعي شيئاً مما قد يدور في ذهن الخصم الصهيوني عندما تدق الساعة، فنحن سنواجه قريباً من سوف يقول لنا ما معناه:"لنا القدس، والقداسة، والتاريخ الصحيح، ولكم الأساطير".

لن أسعى إلى أن أفند هذه المقولات الصهيونية قولاً رغم اعتقادي بأن هذه المقولات وأمثالها هي من بين الأسس الراسخة التي بني عليها الخطاب الصهيوني المعاصر حول القدس، فالبعض من هذه المقولات يفند نفسه بنفسه، غير أن الأمر يتعدى ذلك ليتناول حملة صهيونية أوسع ترمي إلى وضع علامة استفهام كبرى حول مصداقية المصادر العربية المبكرة برمتها، دعونا نتأمل قليلاً مغزى هذا الأمر.

فتوحات عربية شاسعة الأرجاء تقضي وفي زمن قصير جداً نسبياً على امبراطوريتين عظيمتين، وذلك من خلال عمليات عسكرية تفترض درجة عالية من المهارة اللوجستية، ثم تبني لنفسها نظاماً إدارياً، وحضارة ومدنية، وتتولى أموراً حكومية ومالية واجتماعية بالغة التعقيد، وإلى ما هنالك من بنيان حضاري إمبراطوري، ثم يأتي اليوم من يقول لنا: أن هذه الحضارة عندما جاءت لتضع لنفسها تاريخاً كانت كالطفل الساذج الذي لا يعرف للحقيقة معنى، ويقال لنا: إنه وبعد ذلك بمئات السنين، أتت طبقة أخرى من المؤرخين فابتدعت تاريخاً جديداً برمته، وكأنما هي مؤامرة كبرى تنوي أن تطمس ما لا يلائمها، وتبرز ما يخدم أغراضها الدعائية.

إن الذي يضع علامة استفهام كبرى على المصادر المبكرة هو كمثل الذي يقول لنا إن الحضارة العربية الإسلامية الأولى كانت متقدمة في كافة الميادين الإدارية والحكومية والقانونية والسياسية والمعمارية واللوجستية لكنها كانت طفولية وساذجة وأسطورية في كتابة التاريخ، وعلينا نحن اليوم أن نصدق جيلاً من المؤرخين العرب في عصور لاحقة جلسوا حول طاولة الكتابة، ودرسوا بدقة الأدبيات الشعبية اليهودية، ثم بنوا عليها قصصاً معينة لكي تأتي ملائمة للتنبؤات اليهودية: (ولا يقال لنا لماذا فعلوا ذلك) ، ومن ثم عمدوا إلى طمس كافة الروايات الأخرى، وكل ذلك حتى يعظموا مكانة القدس، ويخترعوا لها أهمية لم تكن لها من قبل، ويراد لنا أن نعترف بأن هذه المؤامرة التأريخية تمت في زمن كان فيه جهابذة التاريخ والحديث قد بلغوا درجة عالية جداً من التمحيص والتدقيق في الروايات.

أما فيما يختص باستخدام النماذج والأنماط الأدبية في الكتابة التاريخية فالواضح الجلي لكل من تصدى لهذا الموضوع أن النمط لا يمكن له أن يكون نمطاً ناجحاً مقبولاً لدى العموم إلا إذا تضمن في داخله نواة من الحقيقة التاريخية، فالمؤرخ يلجأ إلى استخدام الأنماط والنماذج (أي التشبيهات والاستعارات) لأنها تشبه الحقيقة، وتحاكي الواقع، وليس لإخفائها أو تزويرها، غير أن الأدهى من كل هذا وذاك هو أن الاستشراق الصهيوني هذا وبعد أن وضع علامة استفهام كبرى حول كل ما تتضمنه المصادر العربية المبكرة حول القدس يعود فينتقي من هذه المصادر فقط ما يناسب نواياه وأغراضه.

ففي رواية الفتح الإسلامي مثلاً يقال لنا: عمر بن الخطاب ليس هو الذي فتح المدينة بل الفاتح الحقيقي هو على الأرجح عمرو بن العاص، فإذا كانت المصادر كلها مشبوهة فما معنى الانتقاء والتفاضل بين الروايات؟ وإذا كانت المصادر كلها مشبوهة فما معنى أن نكتب أي تاريخ من أي نوع كان بالاستناد إلى هذه المصادر؟ ومن سخرية الأقدار أن آخر ما توصل إليه البحث العلمي حول المصادر غير العربية لتاريخ الإسلام المبكر أي المصادر اليونانية، والسريانية، والعبرية، والقبطية، والأرمنية، والفارسية قد وجد أن هذه المصادر تطابق في غالب الأمر ما جاء في المصادر العربية ذاتها.

وفيما يختص بقبة الصخرة والمسجد الأقصى فإنه يقال لنا: أن غياب أية إشارة إلى الإسراء والمعراج في الكتابات والنقوش في هذين الحرمين دليل على أن ربط الإسراء والمعراج بالقدس أمر تم في عصور لاحقة، إذ لو كان هذا الرابط موجوداً في زمن البناء لما غاب عن ذهن الباني أن يذكر الإسراء والمعراج في الكتابات والنقوش، وهذه المقولة كما هو مثال صارخ جلي على السفسطة التي تفترض أن غياب الدليل دليل على غيابه، ولا حاجة للوقوف عند هذه المغالطة التي يستبان منها بوضوح غرضها الدعائي.

هذه - وباختصار شديد - بعض ملامح هجمة يشنها الاستشراق الصهيوني، ولا هم له سوى إلقاء الشك على مركزية القدس في التاريخ العربي، ونحن وإن كنا اليوم نشهد على أرض الواقع تنازلات فلسطينية متتالية على صعيد التفاوض السياسي، وعلى صعيد القوانين الدولية، وعلى صعيد الأرض، نشهد أيضاً بعض التراجع الصهيوني الملحوظ على صعيد التأريخ لفلسطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت