سليمان بن ناصر العلوان
بكل أسى وحرقة ، نسمع ونبصر جرائم أمريكا وحلفائها في أرض العراق ، من قتل لأنفس بريئة ، وإراقة لدماء معصومة ، وتدمير لمساكن حصينة ، وتشريد للنساء والولدان ، وتجويع لأطفال رضع ، وبث روح الأحزان والأسى على الثكلى والأرامل والمستضعفين ، وجلب الخوف والقلق على الآمنين ، ونهب لأموال محرمة ، وغصب لثروات ممتلكة ، وبذل كل الجهود والطاقات في فرض القوة على شعبكم ، وبقية الشعوب العربية والإسلامية ، وتعبيد العالمين كلهم لبني الأصفر ، وعباد الصليب ووضعهم تحت سيطرتها ، وهيمنتها ، وسيادتها .
يا شعب العراق: مرت عليكم بضعة عشرة سنة ، عجاف على بلادكم - عاصمة المسلمين في الدولة العباسية - ، قُتِّل فيها الرجال ، وشردت فيها النساء ، ويتم فيها الأطفال ، وتوالت عليكم الجراح ، وسالت الدماء ، وانعدم الدواء ، وذقتم فيها أمر المُر وفسد فيها الحرث والزرع ، وكانت حياتكم في هذه الحقبة ضرباً من النكد والعناء فلكم الله يا شعب العراق
يا شعب العراق: إننا ننظر إليكم بعين الرحمة ، والإنسانية ، ونشارككم في أحزانكم وأتراحكم ، يسؤنا ما يسؤكم ، ويسرنا ما يسركم ، على ما توجبه القيم العالية والعدالة الحنيفية ، والعقيدة الإسلامية ، يحزننا أن ننظر إلى المأساة التي تطل على وجوهكم بصورة يهتز من شدتها القلب ، وتنفطر منها النفس ، ويندى لها الجبين ، كم نالكم من القتل والتهجير والتدمير والجوع والخوف أكثر مما كان من ذي قبل ، فقدتم ممتلكاتكم وحوصرتم من قراكم ومدنكم وحرمتم من أبسط مقومات الحياة ، وتمطر عليكم في هذه الأيام العصيبة حمم القذائف والنار ، من الطائرات والصواريخ والدبابات والمدافع في أبشع صور الوحشية والطغيان واللإنسانية من قبل رأس الكفر العالمي ، وراعية الشر والوحشية ومحترفة القتل والعنف فأعمل فيكم القتل الرهيب ، رجالاً ونساءً وأطفالاً ، ولم يستثن من ذلك العجزة والمسنين وما تفرق من عجائب الإجرام ، والأعمال العدوانية عبر القرون تجمع فيهم ، وتوالت عليكم الصور المأسوية ، وحرم الفرد من آدميته ، وزرع الخوف والفزع والجوع في صدور وعيون أطفالكم ونسائكم ، وشرد الملايين ، والقذائف تدك ما بقي من أجسادكم ، تحولت جلدة الشباب إلى ضعف وهزل ، وهذا في الشباب أولي القوة ، فما بالكم بالشيوخ والعجزة ، الذين أسقطهم الجوع فلا تسمع إلا دوي نحيبهم ، والثكالى اللاتي أنهكهن الأسى فلا ترى إلا دموعهن ، واليتامى الذين فقدوا آباءهم فلا تسمع إلا صراخهم يعيشون الآم والأحزان ، ويعلوهم صراخ الأنين والزفرات وحياتهم قائمة على القلق والهلع ، يحملون على أكتافهم جراحات وآلاماً تنهد لها الجبال إذ أنهم يعيشون بصورة محزنة ، يتفصد من شدتها الجبين عرقاً
ونحن في خضم هذه الحرب الصليبية الشرسة ، وعلى صعيد هذا التقتيل والتشريد وما حل بكم من بلايا ومحن ، نتواصل معكم في محنتكم هذه بتذكيركم بأهم شيء لديكم والذي به قوامكم ، ومجدكم ، وعزكم ، والذي خلقتم لأجله ، وتبعثون لأجله ، والذي هو من أكبر العوامل الأساسية لا الثانوية في نصركم على عدوكم الظالم الغاشم الصليبي والذي إن حققتموه فسيحق لكم - يقيناً - الانتصار عاجلاً على هذا العدو الأحمق وكسر شوكته ، وتوهين زحفه ، ألا وهو توحيد الله تعالى ، وإخلاص الدين له والتحاكم إلى شرعه ، والاهتداء بوحيه ، ونبذ كل ما يخل به ، ويخدش بكماله ، أو يتنافى معه ، من شعارات قومية ، ولغات ضالة ، ومذاهب فاسدة ، فكم جرت هذه على أمة الإسلام من الشرور والويلات ، وكم أشعلت من حروب وملاحم وكوارث ، والتوحيد هو الذي جعل الأمة تتحمل الرسالة ، وتشعر بالمسؤولية ، وتحول العربي إلى إنسان لا تأسره الأوهام والتقاليد ، ولا الإقليمية والقومية . إن الدعوة إلى القومية وما يحمله هذا الفكر من علمانية ، واشتراكية ، ونحو ذلك من الأفكار التي تعيد للأذهان واقع الناس قبل الإسلام ، غيبوبة عن الحق ، وبذرة للفتنة وعودة بالأمة إلى الفوضى ، والاستبداد ، وحلول الظلم مكان العدل ، والشر مكان الخير والتشتت مكان الوحدة الشرعية . قال الله تعالى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) وإن رسول البشرية r بعث في قوم تحكمه العصبية وتسودهم الوثنية ، فكان السلاح الذي رفعه رسول ا صلى الله عليه وسلم في وجوه أولئك ، هو شهادة أن لا إله إلا الله ، محمداً رسول الله ، فكان من ذلك جمعهم بعد تفرقهم ، وغناهم بعد فقرهم ، وعزهم بعد ذلهم ، فلا إله إلا الله تذيب كل الفوارق والعناصر والطبقات ، وتحت مظلة الإسلام عقدت أعظم مؤاخاة في التاريخ ، جمعت بين العربي والرومي ، والفارسي ، والحبشي ، والخزرجي ، والأوسي، ولم يكن هناك أدنى اعتبار لميزان الجنس واللون والعنصر بل جعل الله الميزان ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)