فهرس الكتاب

الصفحة 22231 من 27364

بقلم: إبراهيم بن عبد العزيز بركات

رئيس قسم الدعوة والإرشاد بجمعية أهل السنة الخيرية

الطبعة الأولى

1425هـ 2004 م

إصدار وتوزيع: جمعية أهل السنة الخيرية

القدس بين حنينا -طلعة حزما

هاتف 5849670 فاكس 5849829

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فضيلة الشيخ حفظك الله تعالى ما صحة القول بوجوب العمل ضمن حزب أو جماعة إسلامية إذ يستدل أصحاب هذا الرأي بقوله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . آل عمران 103 .

وهل المخالف لذلك يعتبر آثماً وفقك الله لما يحبه ويرضاه .

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فأعلم يرحمك الله تعالى أن هذا القول لا أصل له ، بل هو مخالف للكتاب والسنة وما أجمع عليه أهل السنة والجماعة ،وذلك لما يلي:

أولاً: إن الآية لا تدل على ما ذهبوا إليه لا من قريب ولا من بعيد ، بل هو مخالف لما تتضمنه من أحكام ، فالآية صريحة الدلالة على وجوب القيام بأعمال ثلاثة وهي ، الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ومن المعلوم بالضرورة لكل ذي عقل وفهم أن المتصدي لهذه الأمور لا بد أن يكون عالماً بها ، إذ لا يستطيع الجاهل التصدي إلى أعظم الأمور التي تقوم عليها مصالح العباد في الدنيا والآخرة ، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء ،ونستطيع أن ندلل على صحة هذا القول من خلال النقاط التالية:

1: لفظ أمة له مدلول خاص فهو مشتق من الأم بفتح الهمزة وهو القصد ، ولذلك جاء في دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام:) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) . (127) البقرة

وكذلك في قوله تعالى: ( وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) . (( 158) الأعراف وقال سبحانه عن إبراهيم عليه السلام: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) . (119) النحل

وبذلك يتبين لك أن لفظ أمة له مدلول أخص من مدلول الجماعة ، ويؤكد ذلك الأمر اقتران هذا اللفظ بالأعمال التي نصت عليها الآية الكريمة وهي الدعوة إلى الخير ،والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .

2: إن الواجب لا يدل على قيام الجماعة ، بل يدل على وجوب التزام ما أنيط بالجماعة من أعمال ،فلو قامت جماعة ولم تقم بما طلب منها من أعمال لا يتحقق الهدف من قيامها وعليه يكون قيامها وعدمه سيان .

3: من المعلوم أن هذه الأعمال وهي الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ،تحتاج إلى علم بقواعد الشريعة ولا يستطيعها إلا من عرف هذه الأحكام وكيفية التزامها ، وما يترتب عليها من مصالح ومفاسد ،ولا ريب أن الجاهل فاقد لذلك كله ، فتعين المراد من هذه الأمة وهم أهل العلم لا غير ويؤكد ذلك المعنى ما ثبت عن الضحاك رضي الله عنه قال: ( وهم الصحابة والرواة خاصة ) .وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء .

تنبيه قد يتوهم البعض أن مرادي من جمهور العلماء معظم العلماء أي هنالك علماء يقولون بقولهم .

فأقول إن المقصود بجمهور العلماء القائلين بأن المراد من الأمة طائفة العلماء خاصة وهم الذين قالوا إن ( من ) للتبعيض ، وأما المخالفون فقالوا إن ( من ) لبيان الجنس ،وهذا من منطلق قولهم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بعينه .

ثانياً: لو كان فهمهم للآية فهماً صحيحاً ، لكان لهم سلف في ذلك ، خاصة في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فهم أحرص الناس على الإتباع والقيام بما أوجب الله سبحانه حق القيام،خاصة وأن الآية مدنية أي نزلت في المدينة المنورة في ظل حكم إسلامي ، وهذا ما لم يثبت عنهم لا بدليل صحيح ، ولا بدليل ضعيف ،فلم يقم الصحابة رضي الله تعالى عنهم حزباً أو أحزاباً بعد نزول الآية الكريمة ، بل لم ينقل عن أحدهم أن المراد بالآية إقامة حزب أو أحزاب سياسية أو منهجية ، وهذا واضح للغاية ، ولا يقال: إن الصحابة لم يفعلوا ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم ،إذ إن العبرة في عموم الأمر ، بل الأمر ابتداء موجه إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم والناس تبع لهم وما كان واجباً على الصحابة فهو واجب على سائر الأمة ، وما كان واجباً على الأمة فهو واجب على الصحابة ، فلا فرق بيننا وبين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حيث التزام أحكام الله سبحانه ، وكذلك لا يقال: إن الصحابة لم يفعلوا ذلك لوجود الدولة الإسلامية . وهذا القول أيضاً لا يخفى ضعفه ، فإن الآية نزلت في المدينة المنورة أي في ظل الدولة الإسلامية وهي عامة لا تخصص بزمان ،ويدلنا على هذا القول ما تعلق بالآية الكريمة من أحكام شرعية ، وهي الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولا أظن أحداً من المسلمين يقول: إن هذه الأعمال لا تجب إلا في ظل الخلافة الإسلامية ، وعليه يكون مذهبهم مذهباً محدثاً قام على غير أصول يعتد بها لذا فهو يندرج تحت محدثات الأمور .

ثالثاً: إن القول بوجوب تعدد الأحزاب في الأمة الإسلامية مخالف لقواعد الشريعة الآمرة بوجوب التوحد ، ويتضح ذلك من عموم الأدلة الدالة على ذلك منها قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . (102) آل عمران

وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ) .3 الصف وقال سبحانه: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون) .َ9 )) .الحجرات

وقال:: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) . متفق على صحته من حديث أبي موسى الأشعري . وروى البخاري و مسلم من طريق زكريا عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد . إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) . وفي رواية عند مسلم ( المسلمون كرجل واحد . إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ) .

فهذه الأحاديث دليل واضح على وجوب وحدة الأمة ،وهي دليل أيضاً على تحريم كل الأمور التي تحول دون الوحدة الكاملة ،فإن تمثيل الرسول المؤمنين بالجسد الواحد وكذلك بالبنيان الذي يشد بعضه بعضاً ،لدليل ما بعده دليل على حرمة التباغض والتدابر ، وقد حرص كل الحرص على توثيق الأخوة الإيمانية بين المسلمين ليكونوا أمة واحدة متعاضدة متراحمة ، على خلاف ما هي عليه اليوم من التباغض والتدابر ، ولا شك أن تعدد الأحزاب في الأمة يسهم إسهاماً كبيراً في تفرقها وعدم وحدتها ، بل وفي تخالف قلوبها وتشتيت جهودها ،وقد وصف الله سبحانه المؤمنين بأعظم صفات التلاحم والتوافق والتآخي فقال سبحانه: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) . (29) الفتح وقال سبحانه: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . (63) الأنفال

فأين هذه الصفات في الأمة اليوم ؟ بل أين الأمة التي تحقق فيها معنى الأخوة القائمة على الحب في الله والبغض في الله ؟ حتماً قد أصبحت هذه الصفات في ذاكرة التاريخ الإسلامي بعيداً عن الواقع العملي إلا فيمن رحم ربي سبحانه وهم قلة قليلة وصفهم صلى الله عليه وسلم بالغرباء . ولا ريب بأن الأحزاب الإسلامية لعبت دوراً واضحاً في تفريق المسلمين وتشتيت جهودهم ، وضياع سلطانهم ،إذ لا يشك عاقل بأن تعددهم ما هو إلا نتيجة الاختلافات القائمة بينهم المفضية إلى التنازع المؤدي إلى الفشل قال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين ) (46) الأنفال

رابعاً: إن التحزب نتيجة التفرق بين الأمة الواحدة ، وقد نهى الله سبحانه الأمة عن التفرق والاختلاف ،وتوعد أصحابه بالعذاب العظيم في الدنيا والآخرة ، قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) . (105) آل عمران وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) . (159) الأنعام

قال الطبري في تفسير هذه الآية: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أخبر نبيه أنه بريء ممن فارق دين الحق ، وفرقه وكانوا فرقاً فيه وأحزاباً . جامع البيان . وقال مجاهد: إن الذين فرقوا دينهم من هذه الأمة ، هم أهل البدع والشبهات . واعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة ، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع . تفسير الفخر الرازي وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) . قال: هم الخوارج . وقيل أصحاب البدع ، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له ، فإن الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ،وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه: ( وكانوا شيعاً ) أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات ، فإن الله تعالى قد برأ رسوله مما هم فيه . تفسير ابن كثير

وقال الشوكاني في هذه الآية: إنها تشمل الكافرين والمبتدعين لأن اللفظ يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب ، وطوائف المشركين ، وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام ، ومعنى شيعاً ،فرقاً وأحزاباً ، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحداً مجتمعاً ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب ، ويباين الحق . فتح القدير .

وقد كثرت الأحاديث عن رسول الله في حرمة التفرق والاختلاف من ذلك ما رواه أبوهريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (( ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ) ). متفق عليه وخرج الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلي الله عليه وسلم قال (( سيصيب أمتي داء الأمم قالوا يا نبي الله وما داء الأمم قال الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج ) )المستدرك وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي ) رواه الترمذي وحسنه ورواه الحاكم وغيرهما .

فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على حرمة التفرق والاختلاف ، ولا يقال هنا إن المقصود بالتفرق والاختلاف ما كان متعلقاً بأصل من أصول الشريعة ، أما ما كان متعلقاً بفرع فلا يدخل في هذا الباب ، أقول هذا القول صحيح إذا قيد بقيود وهي:

1: أن لا يتعارض مع مسألة ثابتة بالكتاب والسنة ، أو قام الإجماع عليها ، وهي ما تتعلق بالبدع المحرمة التي تعارض الشريعة الحقة .لقوله ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق على صحته وقوله ، ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم في صحيحه ، وقوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ، في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بسند صحيح ،والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .

2: أن لا تحدث تفرقاً وتنازعاً بين المسلمين لما جاء في الحديث عن النَّزال بن سبرة قال سمعت عبد الله بن مسعود قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت من النبي خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله فقال: ( كلاكما محسن فاقرآ ) قال شعبة - أحد رواة الحديث - أكبر علمي أن النبي قال: (فإن من كان قبلكم اختلفوا فأُهلكوا ) . رواه البخاري .والحديث صريح بأن الخلاف الذي يكون أصله جائزاً إذا أدى إلى وقوع الخلاف بين المسلمين فهو يحرم لا لذاته ولكن لما يترتب عليه من معاداة وتباغض بين المسلمين ، ولا يشك مسلم بأن نشر العداوة والبغضاء بين المسلمين هو مدخل من مداخل الشيطان ، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون ) (91) المائدة

فالشيطان يهيج الأمة على المنكرات من أجل إيقاع العداوة والبغضاء بينهم ويصدهم عن سبيل الله المستقيم ، لذا جاءت الأحاديث مشددة على ذلك ، ومبينة عاقبة العداوة والبغضاء بين المسلمين ومن ذلك ما رواه أبو هُريرةَ رضي اللهُ عنه قال: قال رسوُل الله:: (لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوَاناً، المُسْلمُ أَخُو المُسْلمِ: لا يَظْلِمُهُ، ولا يَكْذِبُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ههُنا - ويُشِيرُ إلى صَدْرِه ثَلاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أن يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمِ، كُلُّ المُسْلِمِ على الْمسْلِم حَرَامٌ: دَمُهُ ومالُهُ وعِرْضُه ) . رواه مسلم

وقال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم، البغضاء والحسد، والبغضاء هي الحالقة: ليس حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت لكم ذلك، أفشوا السلام بينكم) أخرجه الإمام أحمد والترمذي وحسنه الألباني .

3: أن لا يجعل المسائل الفرعية أصلاً لفكره بحيث يقيم الولاء والبراء فيها ،أو يعتقد أن نفسه على الحق المبين ، وأن غيره مبتدعاً قال تعالى في وصف أهل الضلال: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) . آل عمران 7 وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) . الآية

قالت: قال رسول الله:: ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ) . رواه البخاري وغيره . وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أيضاً قال: قال: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) .

فإن وقع في شيء من ذلك يكون ممن ينطبق عليهم قول الرسول في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة ، فمات ، مات ميتةً جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة ، أو يدعو إلى عصبة ، أو ينصر عصبة ، فقتل فقتلة جاهلية ، ومن خرج على أمتي يضرب برها ، وفاجرها ، ولا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي لذي عهد عهده ، فليس مني ولست منه ) .

وبذلك نكون قد ميزنا بحمد الله وفضله بين الاختلاف الممدوح ، والاختلاف المذموم ، وهو ما يعرف عند أهل العلم باختلاف التنوع والتضاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت