فهرس الكتاب

الصفحة 1650 من 27364

الدكتور شكري فيصل

كان بين أيدينا نصوص أبي العتاهية كما طبعت في بيروت في المطبعة اليسوعية، وكانت الطبعة الأولى منها سنة 1886م.. ثم تكررت بعد ذلك مرات، أغلب الظن أنها أربع، من غير كبير اختلاف.. ولكنها لم تكن تحمل مقدمة يطمئن القارئ إلى كل مصادرها التي صدرت عنها وإلى كل مواردها التي أخذت منها وإلى تحديد هذه المصادر في كل قصيدة أو مقطوعة.. لم يكن بين أيدينا في الواقع ديوان أبي العتاهية كما صنعه الأقدمون، وإنما كان بين أيدينا، على نحو ما يفجؤنا في العنوان، ديوان صنعه أحد الآباء اليسوعيين، وسماه «الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية» .

وما من عجب في أن يصنع معاصر ديوان شاعر قديم، يجمعه ويخرجه ويعرضه للناس على الصورة التي يوفق فيها إلى عرضه.. فذلك ما يجب أن نفعله في شعر الشعراء الذين غيّب الزمان دواوينهم وشعرهم.. ولكن العجيب ألا يكون في هذا الصنع تحديد واضح للخطة التي اتبعها، والنهج الذي أخذ نفسه به، وحديث موثوق عن المصادر التي استمد منها، وعزوٌ للروايات التي أخذ بها أو أشار إليها.

بل إن ما هو أعجب منه أن يكون هنالك طمسٌ لهذه المصادر وسكوت مقصود عنها أو إشارات خرسٌ إليها، فلا يكون في ذلك إلا هذا السطر «الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية، نقلا عن رواية النمري وكتب مشاهير الأدباء كالأصفهاني والمبرد وابن عبد ربه والمسعودي والماوردي والغزالي» في صفحة العنوان.. أما كل ما جاء بعد ذلك في الديوان نفسه فهو إلى التعمية أقرب، على مثل ما سيلقاك من وصف النسخة في الصفحات التالية.

مهما يكن من شيء، فالمؤكد أني لم أستطع وأنا أدرس أبا العتاهية أن أطمئن إلى هذا الديوان أقيم الدراسة عليه.. فكان لابد لي من أن أتلفت يمنة ويسرة أسأل عن أصول موثوقة.

وقرأت للشيخ أحمد محمد شاكر في الشعر والشعراء تعليقه على ترجمة أبي العتاهية قال فيها: «وديوانه معروف مطبوع طبعه الآباء اليسوعيون بمطبعتهم في بيروت، وهم قوم لا يوثق بنقلهم لتلاعبهم وتعصبهم وتحريفهم، ولكن هذا الذي وجد بأيدي الناس» . فكانت هذه القالة منارا جديدا لي.. كيف يكون التلاعب والتعصب في نشر ديوان شعري قديم؟. ما طريق التعصب إلى هذا الشعر الذي يتحدث عن الحياة والموت والآخرة؟.. وكيف يكون الأمر على هذا النحو الذي وجد بين أيدي الناس ولا يكون في الناس خلال ثمانين سنة من يملك أن يضع بين أيديهم بعضا من تراثهم على خير من الذي وقع لهم محرفا متلاعبا فيه؟

يتلخص عمل الأب لويس شيخو في الأنوار الزاهية بالخطوط التالية:

1 -الركيزة الأولى في عمله هي الديوان الذي صنعه ابن عبد البر، وأغلب الظن أنه اطلع على نسخة الظاهرية، ومنها أخذ. وانظر دليلا على ذلك ما جاء في هامش الصفحة 235 من ذكر أحد الأسناد.

2 -عرض الأمهات كالأغاني والعقد والأمالي ونظر في بعض المخطوطات وأفاد منها.

3 -تجاوز الزهديات إلى الأغراض الأخرى فجعلها في قسم آخر سماه «منثورات شتى» وطواه على ستة أبواب: المديح والتهاني، حسن التوصل والطلب والتشكي والتشكر، العتاب والهجو، الرثاء والتعازي، الأوصاف والهدايا والإجازات الشعرية، الحكم.

4 -ألحق بعمله في خاتمته فهرسا لغويا فسر فيه ما رأى أنه غريب أو صعب من شعر أبي العتاهية.

5 -أخرج الديوان مشكولا شكلا كاملا، وسمى أبحر الأبيات، ووضع لكل قطعة عنوانا، رآه تعبيرا عنها.

ولكن عمله بعد ذلك جاء يحمل السمات التالية:

1 -طمس معالم عمل ابن عبد البر حين سكت عنه وأغفل التعريف به ولم يشر إلى مدى ما أفاد منه.

2 -سكت عن وصل الروايات والمقابلات بمصادرها مكتفيا بهذه القالات الصماء: روي له، ويروى، وفي رواية، وفي مخطوطة من باريس..

3 -لم يستوف كل شعر أبي العتاهية في غير الزهديات. والحق أنه ما كان له أن يبلغ ذلك آنذاك، لأن كثرة من ذخائر التراث العربي ومخطوطاته إنما نشرت أو عرفت بعد ذلك.

4 -طوى شعره الغزلي والخمري مهملا له؛ وحرّف بعضه تحريفا، حذف القطعة خير منه، لأنه يجعل الحب ودا، والهوى نوى، والجارية نديما - في تقديم البيت - والوجه رأيا في مثل البيت التالي «ق279 ص663» :

عزة الحب أرته ذلتي

في هواه وله وجه حسن

فيصيّره إلى

عزة الود أرته ذلتي

في نواه وله رأي حسن

5 -في شكل الزهديات أخطاء قد يكون بعضها مما يقع مثله، ولكن الشكل في غير الزهديات كثير. وفي تسمية بعض الأبحر، وبخاصة مخلع البسيط الذي عدّه من المنسرح، وهمٌ وفي بعضها سكوت عن الإشارة إلى أنه مجزوء. وعناوين القطع لا تتساوق دائما مع مضمونها.

6 -ولكن أعظم من ذلك إنما كان في هذه التحريفات التي تعمدها؛ وهي تتنوّع فتتناول الكلمة حينا والجملة حينا والشطر أو البيت مرة والأبيات ذوات العدد في بعض الأحايين.

أ - التحريف في الكلمة الواحدة:

1 -يتناول مثل هذا التحريف ضبط الكلمة المعروف المشهور والمتداول، فلفظ «زُلزِلت، في الآية الكريمة: {إذا زُلزلت الأرض زلزالها} من الألفاظ القرآنية الشائعة ولكن ناشر الديوان يضبطها: زَلزَلت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت