فهرس الكتاب

الصفحة 17592 من 27364

محمد عبد الله السمان 21/6/1426

بادئ ذي بدء أقول: إن الفكر الإسلامي فكر شامل يتسع لحركة الحياة بأسرها ويتواءم مع تطورها حسب مقتضيات الحياة ذاتها، ومرونة الفكر الإسلامي تتسق تماماً مع كون الإسلام خاتم الرسالات السماوية، يعايش الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ودراستنا إذن للفكر الإسلامي يجب ألاّ تكون قاصرة على جانب العبادات، وإلا كنّا مناقضين لأنفسنا حين نقول: الإسلام دين ودولة معاً. ولقد كان علماء السلف على وعي بذلك، فقد كانوا فقهاء في العقيدة والشريعة والفلسفة والاجتماع؛ بالإضافة إلى علوم معايش الحياة، كالطب والفلك والهندسة والصيدلة والجيولوجيا وحتى علوم التجارة والزراعة، وقد أفادت أوروبا من إنتاج علماء المسلمين الأوائل، وقد اعترف بذلك العدول من مفكريها. هذه كلمات كان لا بد منها.

أنا اقرأ لدراسة تحمل عنوان المقال"الإسلام وتوازن المجتمع"وهي لمفكر اقتصادي مسلم باكستاني من لاهور هو العلامة ميرزا محمد حسين، وقام بترجمتها من الإنجليزية إلى العربية المفكر الدكتور محمد فتحي عثمان الذي قال في تقديمه للدراسة:"وفي مسلمي الهند وباكستان ..دين صادق وثقافة واسعة ـ خاصة ـ في الدراسات الإسلامية بهذه العبقرية العقلية، يكون لهم من مباهج البحث وعمق الفكر، وشمول النظرة، وسعة الأفق ما يجعل لأبحاثهم في"النظام الإسلامي"ـ بصفة خاصة ـ روحاً جديدة؛ فهم لا ينظرون إلى الإسلام كأجزاء وتفاريق، ولا ينظرون إلى الثقافة الغربية نظرة الجاهل الذي يعادي ما يجهله، ومن هنا جاءت كتاباتهم في وقتها بالنسبة للفترة التي نحياها من تطورنا الفكري، بعد أن جمد فقهنا من قرون، وتطورت الدراسات الإنسانية في ظل الحضارة الغربية، وتشعبت فروعها، وأثمرت الكثير من النظريات والآراء."

والدراسة التي يقدمها لنا المفكر الإسلامي الباكستاني، هي دراسة اقتصادية في مضمونها، والنظام الاقتصادي عقدة الحضارة الحديثة بطبيعته .. فالملكية الاشتراكية،التي ظهرت على المسرح العالمي بدعوى مداواة الجراح التي سببتها الرأسمالية، تستهل علاج الملكية بإلغاء الملكية الخاصة، واستخدام القسر لتحقيق هدفها، وإذا كان الإسلام يرفض تكدّس الثروة بصورة تخالف العدل الاجتماعي، لما لذلك من آثار مزعجة للمجتمع، فهو ـ في نفس الوقت يضع خطة أخرى للعمل. فهو يبيح صوراً من التفاوت الاجتماعي الاقتصادي، التي لا تضرّ صالح الجماعة .. والله يقول: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) ، كما أن الإسلام يبيح كسب المال وتملكه، والمشروعات الخاصة ليست من محرّماته، وإنما يحرم هذه المشروعات من تأييده عندما تصطنع لها دوراً عدوانياً، وتعمق جذور السيطرة في حياة الناس إلى حد ألاّ يجدوا لها مدافعاً، ومن هنا يغلق الإسلام الطرق المؤدية إلى أورام الثراء الخبيث في التجارة والمعاملات!

ففي وسع الدولة الإسلامية أن تنجح في مهمتها التي عهد الله بها إليها، إذا ما كان أفرادها قد جرّدوا أنفسهم عن الشر والشح. ولا جدال في أن الإسلام يقطع الطريق على الكسب الانتهازي، وتكدس الثروات بصورة تتنافى في العدل الاجتماعي، وهو ما نراه اليوم هادئاً في ظل الرأسمالية المتطرفة .. وهذا الإسلام، لا يملك إلا أن يلعن نظاماً ليس له من سند، سوى المبدأ الشيطاني:"أنا وبعدي الطوفان"؛ لذا أنكر الإسلام .."النزعات الانتهازية"والتهافت المسعور على الثراء بأي سبيل. يقول القرآن: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) ، وهذه الآية الكريمة غنية بالمعاني العظيمة، فهي تؤكد أن ما خلقه الله من مخلوقاته، ينتمي في مجموعهِ إلى المجتمع الإنساني في مجموعه، وعلى ذلك فليس لفرد حق في ادعاء أو اغتصاب نصيب الأسد من هذا المورد العام.

فمبادئ القرآن لا تقسيم فيها إلى بروليتاريا وبرجوازية. فالإنسان يعامل كعامل فعّال، ونافع في مجال النشاط الاجتماعي، وحقّه في الملكية الخاصة مقرر ومسلم به، ولكنه محاط بسياج واقٍ؛ فصاحب المال يستطيع أن يستعمله، ولكن على طريقة لا ضرر فيها بالمجتمع ولا ضرار. والإسلام إذ يسمّي الملكية"وديعة"و"أمانة"من الله ـ جل وعلا ـ فإنه ينتزع كل أساس يمكن أن يستند إليه الرأسماليون، وقد كان الإسلام متيقظاً إلى الاحتمالات الخطرة لتركز الثروات في أيدي فئة قليلة، فهو قد أباح الملكية الخاصة، ولكنه لم يبح ما قد ينجم عنها من تخريب اجتماعي نتيجة للاستغلال!

إن الشيوعية تدعي أنها ترسي أسس أخوة عالمية، ولكن أساليبها الوحشية تنفي هذا الادعاء؛ فإنها لا بد أن تسحق وتمحق أولاً لتحاول البناء بعد ذلك، أو كما يقول لينين:"فمن أجل تحقيق السلام لا بد أن تشق جماجم الرجال"ويردّد النغمة نفسها الشارح للعقيدة الشيوعية (زينوفييف) :"إن صرخة الغضب المشحونة بالحقد هي لذتنا ومتعتنا"فهل ينتظر للإخاء العالمي المتولد من البغضاء والعنف إلا أن يكون ـ بالطبع ـ بناء متداعياً معرضاً للانهيار!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت