فهرس الكتاب

الصفحة 9854 من 27364

مصطفى السباعي

الاستشراق والمستشرقون بحث لم يعن أحد من الكاتبين بأمرهما عناية علمية واسعة تبحث الاستشراق وأهدافه ومراميه وحسناته وسيئاته، وعن المستشرقين وطوائفهم وأعمالهم، وما أصابوا وما أخطأوا فيه من أبحاث ومؤلفات، وكل ما كتب في هذا الموضوع لا يخلو عن أن يكون تمجيداً لهم مثل كتاب (المستشرقون) للأستاذ نجيب العقيقي، أو أن يكون كشفاً موجزاً عن أهدافهم التبشيرية والاستعمارية، وأهم بحث في هذا الشأن محاضرة قيمة للأستاذ الدكتور محمد البهي المدير العام للثقافة الإسلامية في الجامع الأزهر ألقاها في قاعة المحاضرات الكبرى الأزهرية.

وقد أفرط منا أناس في الثقة بهم، والاعتماد عليهم، والثناء المطلق على جهودهم، ويمثل هؤلاء المعجبين بهم الدكتور طه حسين من أوائل تلاميذ المستشرقين في تاريخنا الأدبي المعاصر، حيث يقول في مقدمة كتابه (الأدب الجاهلي) :

"وكيف تتصور أستاذاً للأدب العربي لا يلم ولا ينتظر أن يُلم بما انتهى إليه الفرنج (المستشرقون) من النتائج العلمية المختلفة حين درسوا تاريخ الشرق وأدبه، ولغاته المختلفة، وإنما يلتمس العلم الآن عند هؤلاء الناس، ولابد من التماسه عندهم حتى يتاح لنا نحن أن ننهض على أقدامنا، ونطير بأجنحتنا، ونسترد ما غلبنا عليه هؤلاء الناس من علومنا، وتاريخنا، وآدابنا".

ولا ريب في أن هذا الكلام يمثل دوراً من أدوار العبودية الفكرية التي مررنا بها في مطلع نهضتنا العلمية والفكرية الحديثة، وهذه العبودية تتمثل في كتاب الدكتور طه حسين نفسه (الأدب الجاهلي) الذي كان ترديداً مخلصاً لآراء غلاة المستشرقين المتعصبين ضد العرب والإسلام أمثال (مرجليوث) الذي نقل آراءه كلها في كتابه (الأدب الجاهلي) ونسبها إلى نفسه، وليس له في الكتاب رأي جديد نتيجة بحث علمي قام به، أو تعب في سبيله.

ويمثل هؤلاء أيضاً الأستاذ أحمد أمين في كتابيه (فجر الإسلام) و (ضحى الإسلام) وقد بينت ما في فصل (الحديث) من كتاب (فجر الإسلام) من سرقة لآراء المستشرقين دون أن ينسبها إليهم في كتابي الذي صدر حديثاً (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) .

ومن هؤلاء أيضاً الدكتور علي حسن عبد القادر في كتابه (نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي) وهو ترجمة حرفية لما كتبه جولدزيهر في كتابيه (دراسات إسلامية) و (العقيدة والشريعة في الإسلام) ، وكذلك كان كسابقيه غير أمين حين نسب هذه الآراء إلى نفسه ولم ينسبها إلى أساتيذه المستشرقين.

ويقابل هذا الاتجاه المفرط في الثقة ببحوث المستشرقين اتجاه يحمل على المستشرقين واتجاهاتهم المغرضة المفرطة في التعصب، ويمثله قول أحمد فارس الشدياق في كتابه (ذيل الفارياق) :"أن هؤلاء الأساتيذ (المستشرقين) لم يأخذوا العلم عن شيوخه، وإنما تطفلوا عليه تطفلاً، وتوثبوا فيه توثباً، ومن يخرج فيه بشيء فإنما تخرج على القسس، ثم أدخل رأسه في أضغاث أحلام، أو أدخل أضغاث أحلام في رأسه، وتوهم أنه يعرف شيئاً وهو يجهله، وكل منهم إذا درس في إحدى لغات الشرق أو ترجم شيئاً منها تراه يخبط فيها خبط عشواء، فما اشتبه عليه منها رقعه من عنده بما شاء، وما كان بين الشبهة واليقين حدس فيه وخمَّن، فرجح منه المرجوح، وفضل المفضول".

وفي الحق أن كلاً من الثناء المطلق والتحامل المطلق يتنافى مع الحقيقة التاريخية التي سجلها المستشرقون فيما قاموا به من أعمال، وما تطرقوا إليه من أبحاث، ونحن من قوم يأمرهم دينهم بالعدل حتى مع أعدائهم (( ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى ) ).

وسنحاول في هذه المقالة أن نذكر ما للمستشرقين وما عليهم، من غير تحيز ولا حيف ولا شطط، ممهدين لذلك بنبذة موجزة عن تاريخ الاستشراق وأهدافه، وفئات المستشرقين وأشهر علمائهم، وسنتتبع بقدر ما وسعنا الجهد أخطاءهم فيما انتهوا إليه من أبحاث، نقارع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، حتى لا يتغاضى معجب عن السيئات، ولا يطمس مبغض صفحة الحسنات.

تاريخ الاستشراق:

لا يعرف بالضبط من هو أول غربي عنى بالدراسات الشرقية، ولا في أي وقت كان ذلك، ولكن المؤكد أن بعض الرهبان الغربيين قصدوا الأندلس في أبان عظمتها ومجدها، وتثقفوا في مدارسها، وترجموا القرآن والكتب العربية إلى لغاتهم، وتتلمذوا على علماء المسلمين في مختلف العلوم وبخاصة في الفلسفة والطب والرياضيات.

ومن أوائل هؤلاء الرهبان الراهب الفرنسي (جربرت) Je r be r t الذي انتخب بابا الكنيسة روما عام 999م بعد تعلمه في معاهد الأندلس وعودته إلى بلاده، و (بطرس المحترم 1092 1156م Pie r rele Vene r e) و (جيرار دي كريمون 1114 1187م Ge r a r dde G r emone) .

وبعد أن عاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم نشروا ثقافة العرب ومؤلفات أشهر علمائهم، ثم أسست المعاهد للدراسات العربية أمثال مدرسة (بادوي) العربية، وأخذت الأديرة والمدارس الغربية تدرس مؤلفات العرب المترجمة إلى اللاتينية وهي لغة العلم في جميع بلاد أوروبا يومئذ، واستمرت الجامعات الغربية تعتمد على كتب العرب وتعتبرها المراجع الأصلية للدراسة قرابة ستة قرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت