رضا عبد الودود / القاهرة 27/1/1427
مرت الذكرى السابعة عشر لإقامة اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير الجاري دون ضجيج يُذكر، وبهدوء محزن لا للذكرى بقدر ما هو من مرارة الفشل والإخفاق لدول المغرب العربي التي لم تتذكر مشروع الاتحاد إلا بعدد من البرقيات والتهاني في صحف بلدان المغرب العربي...
ولعل الواجب على الفاعلين السياسيين من العرب والمسلمين أن يقفوا ملياً لدراسة وتَتبّع مسار التجربة المغاربية لاستيعاب العبر والدروس وتجاوز الخلاف من أجل بناء الكيانات العربية والإسلامية بشكل فعّال، لمواجهة تجبر وقوة التكتلات الدولية التي باتت عنوان المرحلة..ومن ثم تأتي تلك الإطلالة على تاريخ وعوائق عمل الاتحاد المغاربي ومستقبله ..
تعود الإرهاصات الأولى لإنشاء"اتحاد المغرب العربي"إلى مؤتمر عقدته الأحزاب المغاربية بمدينة طنجة بالمغرب في أواخر شهر أبريل عام 1958، بمشاركة ممثلين لعدد من الأحزاب من المغرب وتونس والجزائر، وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي طُرحت عدة مبادرات لتوحيد دول المغرب العربي في شكل معاهدات ثنائية، والبعض الآخر في شكل اتفاقيات تشمل كل أو معظم دول المغرب العربي، وتمثلت أول مبادرة جادة لتأسيس هذا الاتحاد في"إعلان زرالدة"الذي صدر عن قادة كل من الجزائر وموريتانيا والمغرب وتونس وليبيا، خلال لقائهم على هامش القمة العربية التي استضافتها الجزائر في يونيو عام 1988، وهو الإعلان الذي أوصى بتشكيل لجنة تبحث في إيجاد وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي، وفي السابع عشر من شهر فبراير عام 1989 أعلن قادة الدول الخمس خلال اجتماع لهم بمراكش في المملكة المغربية عن تأسيس اتحاد إقليمي تحت اسم"اتحاد المغرب العربي".
وتبنى ميثاق الاتحاد عدة أهداف، منها؛ تعزيز أواصر الأخوة بين الدول والشعوب الأعضاء في الاتحاد، وتحقيق الرفاهية لتلك المجتمعات، والمساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف، وانتهاج سياسة مشتركة بين الدول الأعضاء في مختلف الميادين، والعمل بشكل تدريجي على تحقيق حرية تنقل الأشخاص والبضائع والخدمات ورؤوس الأموال بين هذه الدول. وتوقّع الخبراء وقتها حدوث وحدة كاملة بين دول الاتحاد.
وجاءت نشأة الاتحاد في نهاية الثمانينيات متزامنة مع مرحلة مخاض دوليّ وقارّي، أهم معالمه انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، مع ما جره ذلك التحوّل من تحريك لبعض الأنظمة العربية والمغاربية التي كانت تسير على النمط الاشتراكي، فبدأت تميل تدريجياً ناحية اقتصاد السوق وخصخصة القطاع العام، وترافق ذلك مع بزوغ رغبة أمريكية في الهيمنة على مقاليد الأوضاع في العالم وفرض القطبية الأُحادية، وبروز القناعة لدى عدد من البلدان العربية والإفريقية بأن العصر الجديد سيكون عصر التكتلات، مسترشدين آنذاك بالنقاش الذي فُتح داخل المجموعة الأوروبية حول التمدّد شرقاً والتحول إلى الاتحاد الأوروبي، وظهور النقاش بشأن العملة الأوروبية الموحدة التي أصبحت في بداية القرن الحادي والعشرين واقعاً ملموساً.
وفي واقع الأمر فإن الاتحاد المغاربي قد انتهى عملياً في بداية التسعينيّات من القرن الماضي، أي بعد أقل من ثلاث سنوات على إطلاقه. فالأزمة الجزائرية التي اندلعت في عام 1991 والدخول في دوّامة الحرب الداخلية وانتشار العنف، بعد انقلاب الجيش الجزائري على الانتخابات البلدية والتشريعية التي شهدتها البلاد وفازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، أوقفت محرك الاتحاد عن الاشتغال، وأدخلته غرفة المراقبة - وأحيانا العناية المركزة - التي استمرت طويلاً بفعل التحوّلات السياسية السريعة في الجزائر ، وظهور المؤسسة العسكرية كفاعل رئيس في إدارة الصراع السياسي في الداخل والخارج.
ومجدداً كانت قضية الصحراء الغربية هي الورقة المركزية في كل هذه التحولات، بحيث لم تخضع لقانون التحوّل هذا في السياسات الجزائرية المتقلبة، فقد نشأ الصراع في الأصل كمحاولة من الجيش الجزائري للحيلولة دون تمدّد المغرب جنوباً ، وكان هدف الجزائر في عهد بومدين ألاّ يتحول المغرب إلى لاعب رئيس في المنطقة، في الوقت الذي كان النظام الجزائري يرى أنه داعية الاشتراكية في المنطقة وعدو الأنظمة الملكية، ومناصر حركات التحرّر العالمية الاشتراكية في تلك المرحلة.
وقد ظل اتحاد المغرب العربي منذ اندلاع الأزمة الجزائرية مجرّد مشروع على الورق ، بانتظار أن تتجاوز الجزائر أوضاعها الداخلية، إلى أن جاء عام 1994 عندما طلب المغرب رسميا تجميد مؤسسات الاتحاد احتجاجاً على المواقف الجزائرية من قضية الصحراء الغربية، وكانت تلك بمثابة الضربة القاضية لما تبقى من هياكل ومؤسسات الاتحاد !
تحديات في طريق الاتحاد