محمد جمال عرفة
10/1/1426هـ
اعتاد سكان مدينة دافوس السويسرية التي تستضيف كل عام في منتجع"دافوس"الشهير مؤتمر أغنى أغنياء العالم ليقرروا مصير العديد من الاستثمارات، والنقاط الاقتصادية والسياسية الساخنة في العالم؛ أن يروا مئات المشاهير والأغنياء يدلفون إلى قريتهم الصغيرة بهيئتهم وحاشيتهم، وأزيائهم الباهظة الثمن، ولكنهم فوجئوا منذ عام 2002م بتزايد وجود شيوخ بالجبة والقفطان، وقساوسة بالزي الكهنوتي المعتاد، وحاخامات بالطاقية اليهودية الشهيرة يدخلون قريتهم!
والسبب أن المنتدي الاقتصادي الشهير الذي يُعقد في هذه المدينة منذ قرابة 34 عامًا (بدايته عام 1971 ) بدأ - منذ هجمات 11 سبتمبر - يتحول بفعل الضغوط الأمريكية لبحث دور الدين بدل الاقتصاد - وخصوصًا الإسلام - في التأثير على القضايا الدولية، وقضايا الحوار بين الأديان وتحديدًا بين الإسلام والغرب، في محاولة لفهم ما جرى، ومعرفة حقيقة ما جرى، وهل الإسلام - كما يدعون - هو المحرك لهذه الهجمات؟
ولهذا تحولت منتديات أعوام 2001 و2002 و2003 و2004م من منتديات اقتصادية بحتة، ولقاءات بين رجال الأعمال؛ إلى منتديات دينية تناقش فيها على أوسع المستويات القضايا الدينية، وتخصص جلسات بالكامل لبحث القضايا الدينية، وتم الربط بخبث بين الإسلام والإرهاب، وجري التوسع في هذا الحوار في المنتدى حول الدين، ودعوة شيوخ من لجنة الحوار بين الأديان التابعة للأزهر الشريف منذ عام 2002م بجانب قساوسة غربيين وشرقيين.
بل أن المنتدى جرى اختطافه بشكل علني لصالح الأمريكان، رغم أنه منتدى أوروبي بالأساس، وأصبح حضور كبار رجال إدارة بوش في المنتدى من نائب الرئيس"تشيني"حتى"باول"وزير الخارجية السابق أمرًا عاديًا، ولأول مرة يقرر المنتدى - في يناير 2003 م - تشكيل"مجلس"يضم مئة شخصية، نصفها من الدول الغربية، ونصفها من العالم الإسلامي؛ بهدف إطلاق حوار حول نقاط التباين بين الغرب والإسلام.
حيث أوضح بيان صدر عن المنتدى أن"مجلس المئة" (سي100) يضم مئة شخصية موزعة بالتساوي على خمس قطاعات اجتماعية: خبراء، ورجال دين، ومسؤولون سياسيون، ومسؤولون إعلاميون، وجامعيون، ومثقفون معروفون، منهم الشيخ فوزي الزفزاف (وكيل الأزهر الأسبق، ورئيس لجنة الحوار بين الأديان بالأزهر) ، ونائبه د. على السمان.
أين ذهب الأمريكان؟!
والجديد هذا العام أن الحكومة الأمريكية غابت تمامًا عن منتدى دافوس 2005م الذي عقد في المدة ما بين 26 و 30 يناير 2005 م، ولم يشارك في المؤتمر أي مسؤول رسمي باستثناء غير الرسميين، الأمر الذي يثير التساؤل عن سر هذا الغياب، وهل هو راجع لانشغال إدارة بوش في تشكيل حكومة جديدة لمدة الولاية الثانية، أم أنه يعني يأس واشنطن من استغلال"الدين"في التصدي لحالة العداء المستشرية في العالم العربي والإسلامي ضد سياساتها.
ويزيد الأمر غموضًا أن هذا الغياب الأمريكي عن دافوس - والذي تبعه تراجع مناقشات الدين والإرهاب في دافوس هذا العام - واكبه اتهامات واضحة من محللين وخبراء أمريكان لإدارة بوش بأنها تراجعت عن شن ما أسمته سابقًا"حرب أفكار"مع الإسلاميين بهدف هزيمتهم أولًا لمقدمة هزيمة ما تسميه"الإرهاب"!!
ومن الواضح أن الخطط الأمريكية لتحويل منتدى دافوس إلى منتدى لمناقشة قضايا الأديان، ومحاولة فرض أساليب للتعاون - عبر إغراءات اقتصادية لبعض الحكومات - قد فشلت، بدليل أنهم لم يهتموا بالمشاركة في منتدى هذا العام، ولم تطرح قضايا مثل محاربة الإرهاب، وحوار الحضارات في منتدى العام الجاري.
حيث عاد مؤتمر هذا العام إلى أصله كمنتدى اقتصادي - هيمنت عليه أوروبا كسابق عهدها - يناقش قضايا العالم الاقتصادية، ومشاكل الفقر، والتعاون الدولي، وهي القضايا التي حددها"جيد ديفيس"مدير إدارة مركز الآفاق الاستراتيجية للمنتدى في خمسة محاور هي: محاربة الفقر، تحقيق عولمة تتسم بمزيد من العدالة، سبل مواجهة التغييرات المناخية، ضمان التعليم الأساسي لجميع سكان العالم، وتحسين أسلوب إدارة الحكومات الدولية.
ودفع هذا صحف سويسرية للحديث عن"روح جديدة"لدافوس إزاء المحرومين حول العالم، والعودة إلى الاهتمام بالمواضيع التقليدية السياسية منها والاقتصادية، خصوصًا في ضوء الهزائم الأمريكية في العراق على يد المقاومة، ومناطق أخرى، وظهور بوادر اعتراف أمريكي بخطأ الاعتماد على النفس، والغرور بإمكانية الانتصار على من يسمونهم"الإرهابيين"، ومن ثم العودة للتنسيق مع أوروبا، وعدم تجاهل دورها.
وقد ألمح لهذا (وزير الدفاع الأميركي) دونالد رامسفلد أمام مؤتمر ميونيخ حول الأمن عندما قال:"إنه لا يمكن لأمة وحدها أن تقاتل الإرهاب، ولا أن تقف بوجه"التهديدات العشوائية في عصرنا الحالي الجديد"، ودعا لتحسين الأجواء بين الأوروبيين والأميركيين!!"
هدف حوار الأديان انكشف!