إن خطورة الاتفاقات أنها تؤسس لتقسيم السودان وليس لوحدته - بدليل ما يحدث في منطقة أبيي التي سوف يتم التعامل مع الجنوب من خلالها وكأنه دولة - من حق أهالي المنطقة الانضمام إليها، والتصويت لصالحها، ولذلك فإن سياسة الخطوة خطوة التي تطبقها أمريكا في السودان تجعلنا نقول إن السودان المقبل سيكون مكونًا من أربع دويلات على الأقل 'شرقًا ـ غربًا ـ جنوبًا ـ شمالًا'، وإضافة إلى ما سبق فإن الحركة الشعبية بقيادة جارانج تسعى عبر اقتسام السلطة إلى تحقيق منجزات أخرى على مستوى الشمال والغرب على الأقل في الفترة الحالية، فقد أعلن جارانج أكثر من مرة استعداده للتوسط بين الحكومة والحركات المعارضة في دارفور، وهناك تقارير صحفية تؤكد دور جارانج في إشعال فتيل الحرب بين الحكومة وسكان دارفور، كما تسعى الحركة من خلال العنوان نفسه 'اقتسام السلطة' إلى التدخل في الشأن الشمالي والسوداني ككل من خلال جعل جارانج هو النائب الأول للبشير، أي أن جارانج من حقه في حال غياب البشير لأي سبب عن السلطة أن يكون بكل بساطة هو الرئيس القادم للسودان.
2ـ مشهد دارفور:
تضم منطقة دارفور 3 ولايات سودانية تقع في الغرب على حدود التماس السودانية التشادية، وتشهد هذه المنطقة مواجهات بين الحكومة وبعض فصائل المنطقة على خلفية إهمال المنطقة وتهميشها، وتردي أوضاعها المعيشية والإنسانية والصحية على غرار مناطق كثيرة في الدول، وقد استطاعت القوى المختلفة المناوئة للحكومة السودانية سواء داخلية 'جارانج - الترابي'، أو إقليمية 'تشاد' ودول الجوار، أو دولية [أمريكا، فرنسا، الاتحاد الأوروبي] أن توظف ما يحدث في المنطقة لصالحها عن طريق استغلال ما يحدث في المنطقة لتحقيق بعض المصالح من أهمها:
أ- فتح جبهة مواجهة جديدة للحكومة السودانية تضعفها وتجعلها تقدم تنازلات في ملف الجنوب، وملفات أخرى داخلية.
ب- ترشيح ملف جديد ومنطقة جديدة بعد الجنوب لتكون هي المسرح المقبل لتدشين الدولة الثالثة في السودان بعد الجنوب.
ج- استخدام العرق في الصراع، حيث إنه بعد أن تم توظيف ما يحدث بين الشمال والجنوب على استخدام سلاح العرب والأفارقة لأن معظم سكان المنطقة مسلمون، ومن ثم يصعب تصوير الصراع في المنطقة على أنه صراع ديني، ويتم الترويج على أنه صراع عرقي بين عرب وزنوج أفارقه.
د- توظيف الصراع الفرنسي - الأمريكي في إدارة الصراع في السودان، فإذا كان الملف الجنوبي من نصيب الأمريكان عن طريق كينيا الدولة الحليفة لأمريكا، فإن ملف دارفور من نصيب تشاد الدولة الحليفة لفرنسا، ومن شأن ذلك تأجيج الصراع وإطالة أمده؛ وفقًا لاختلاف المصالح بين الأمريكان والفرنسيين في المنطقة.
3ـ مشهد العاصمة:
رغم أن الخرطوم حتى الآن هي العاصمة القومية للسودان، إلا أنها هي الأخرى لم تسلم من محاولات تقسيمها، ومسخ هويتها، وسلخها عن عروبتها، من خلال بعض العناوين مثل: الشريعة الشعبية حول تطبيق الشريعة، إذ كانت الحركة تريد عاصمة علمانية بلا شريعة، ولما لم يتبق للحكومة الإسلامية في السودان سوى هذا الملف لتدافع عنه، فإنها حاولت جاهدة للحيلولة دون تحقيق مطالب الحركة بإقصاء الشريعة من حكم العاصمة، ويبدو أن الحركة رأت أنه ليس من المناسب الآن تحقيق كل مكاسبها مرة واحدة، فوافقت على تطبيق الشريعة في العاصمة، واستثناء غير المسلمين من هذه القوانين، واحترام قوانين غير المسلمين الدينية، والخطير في هذا الملف ليس مسألة الشريعة باعتبارها عنوان الهوية، والانتماء، والبقية الباقية من المشروع الإسلامي في السودان، ولكن الخطورة تكمن في أن تؤسس ولاءات وهويات جديدة في السودان تقوم على العرق واللون والقبيلة، وهو ما يمثل خطورة حتى على الكيانات التي ستنشأ جراء هذه الاتفاقات، فما المانع بعد الآن أن تحتكم كل قبيلة إلى تقاليدها وقيمها؟
الأمر الثاني في هذا السياق هو المخاوف التي تبديها دوائر في النظام السوداني من نقل المعارك والتمرد إلى الشمال تمهيدًا لإضعافه، وفي هذا السياق يمكن فهم الدوافع وراء تأسيس 'منبر السلام العادل' من مجموعة تضم مسئولين في الحكومة، وأعضاء بارزين في الحزب الحاكم؛ تدعو المجموعة إلى فصل الشمال عن الجنوب، وتقرير مصير الجنوب بعد عام وليس بعد ست سنوات كما جاء في الاتفاقات.
وفي النهاية يمكن القول:
إن ما يحدث في السودان ليس أقل خطورة مما يحدث في العراق، الأخطر في المشهد السوداني أنه يتم في صمت، ولا يجعلنا نستبعد تحقيق أمل بني صهيون في كيانهم الممتد من الفرات إلى النيل، وهو ما يجعلنا أيضًا نتساءل: هل يتم تجهيز النيل ليكون الحد الجنوبي لكيان بني صهيون.
المصدر: http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=1243&InNewsItemID=143283