موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3369)
محمد أحمد حسين
القدس
المسجد الأقصى
الخطبة الأولى
أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، من سنن الله الاجتماعية أنه تعالى لا يبدل ما بقومٍ من عافية وأمنٍ وعزةٍ ونعمة وسلطانٍ ومنعة إلا إذا كفروا تلك النعم، وارتكبوا المنكرات، وغيّروا حالهم من الطاعة إلى المعصية، ومن اتباع منهاج الله إلى اتباع الأهواء، ومن حاكمية الله إلى سلطان البشر، وقد ورد في الأثر: (( أوحى الله إلى نبيٍ من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يقومون على طاعة الله، فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون ) )، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .
أيها المسلمون، تعالوا بنا نطبق هذا النص الكريم على حال أمتنا اليوم، لنرى مدى حاجتها إلى تغيير أحوالها، إلى تغيير النوايا والسلوك والأعمال، فقد ربطت مشيئة الله تغيير الأحوال سلبًا أو إيجابًا بنية الأفراد والجماعات والأمم، فإقبال الأمة بنية خالصة لله، مع العمل الصالح والسلوك السوي يرشحها للتغيير نحو الخير والأفضل، لأن الجزاء من جنس العمل، والله يقول: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:53] ، فتغيير الحال لا يكون بالتمني والأماني، ولكن بالعمل الجاد والنية الخالصة والسلوك القويم، فمن أراد أن يصل إلى بر الأمان وشاطئ السلامة فعليه أن يعد الزاد من التقوى والعمل الصالح، وأن يحكم السفينة ويتعهد الراحلة، وإلا كان كما قال القائل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها…إن السفينة لا تمشي على اليبس
لأن بحر أعمالكم هو الذي يقودكم إلى العزة والكرامة.
أيها المسلمون، يا خير أمةٍ أخرجت للناس، هل تدارستم حال الأمم السابقة التي أعرضت عن هدايات الله وخالفت رسله، فأخذها الله بذنوبها، وجعلها عبرةً لكم، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [الأنفال:54] .
ولكم ـ أيها المسلمون ـ أسوةٌ حسنة في حال سلفنا الصالح الذين قبلوا نعمة الله، وحملوا الإسلام الذي رضيه الله لنا دينًا، حملوا الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، فغيّر الله أحوالهم من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الضلال إلى الإيمان، ومن الذل إلى العزة، وغدت دولة الإسلام هي الدولة الأولى في العالم عدة قرونٍ من الزمان، يطمع في عدلها الضعفاء، ويهابها الأعداء، وينتشر سلطانها من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، يحكم خليفتها بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وتطبِّق رايتها شرع الله، في سلوكٍ لا يعتريه الخلل، وعملٍ لا يشوبه الزلل، حنفاء لله غير مشركين به، فأيدهم الله بنصره، وأمدهم بتوفيقه وعونه، ومكن لهم في الأرض، واستخلفهم فيها، أليس الله هو القائل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [النور:55] ؟!
يقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه: (من كان متأسيًا فليتأسَ بأصحاب رسول الله ، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالاً، اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) ، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) )، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: (( من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ) )، أو كما قال.
فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية
الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اهتدى واقتدى بهداهم إلى يوم الدين.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
وبعد: أيها المسلمون، يا خير أمةٍ أخرجت للناس، كيف يغير الله حال أمتنا وهي تقيم على المعاصي، انظروا أنى شئتم إلى أحوالنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهل هذه الأحوال مرشحةٌ للتغيير أو تقود الأمة نحو الأفضل؟!