فهرس الكتاب
إن الأمة تحكم بغير ما أنزل الله، وقد نحي دستور الإسلام الخالد عن سدّة حكمها منذ زوال الخلافة الإسلامية التي حكمت بالإسلام، واتخذت القرآن دستورًا وسنة نبينا هاديًا ودليلاً، وأصبحت أشكال الحكم ومسمياته في دنيا المسلمين لا تقرّ معروفًا ولا تنهى عن منكر، بل تشرع وفق الهوى بعيدًا عن هدايات الله، وتأخذ بالقوانين الوضعية التي تبعد الناس عن روح العقيدة وعن أحكام الشريعة، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] .
أما اقتصاد المسلمين فيقوم على الربا الذي حرمه الله، وأصبحت المؤسسات الربوية ركيزة من ركائز الاقتصاد الرأسمالي القائم على الربا والاحتكار وجمع الثروة بأية وسيلة، دون النظر إلى آفاتها وآثارها على المجتمع، أصبحت هذه المؤسسات هي المتحكمة في اقتصاد المسلمين، مع أن الله جل وعلا لم يعلن حربًا على ذنب كإعلانه الحرب على الربا والمتعاملين به، يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278، 279] ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. فكيف يتغير حال أمة تحارب الله ورسوله بأكل الربا والتعامل به؟!
أما أحوالنا الاجتماعية فحدث ولا حرج عن السفور والتبرج والاختلاط بين الرجال والنساء وتشبه الجنسين بعضهم ببعض، وكأن مقياس الحضارة الاجتماعية أصبح الميوعة والتخنث وتقليد المجتمعات الإباحية التي لا تعرف للفضيلة معنًى ولا للمروءة قيمة، المروءة التي عرفها المسلمون تحافظ على العرض، وترعى الشرف، وتضع المرأة في مكانها اللائق من الصون والكمال والعفة.
أيها المسلمون، وأما أحوالنا الثقافية فقد غزتها أفكار الآخرين وثقافاتهم، التي أخرجت أبناء الأمة عن تميزهم بالشخصية الإسلامية، التي توازن بين أشواق الروح ومتطلبات البدن، لتخرج إنسانًا سويًا في فكره وأخلاقه وعلمه وثقافته، وتشده إلى كوامن الإيمان ونوازع الخير، فهل قامت فلسفة التربية والتعليم في بلاد المسلمين على بناء الشخصية الإسلامية وفق المفهوم الإسلامي أم تركز هذه التربية على سلخ الإنسان المسلم من ماضيه وحاضره، ليلحق بركب المستعمرين الذين يروجون لمشاريع التغيير في ديار المسلمين، بما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الصغير أو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟! هذا المشروع الذي يسعى للهيمنة على ديار المسلمين، فقد أعد ليشمل كل بلاد المسلمين التي نعمت حتى أجلٍ قريب بحكم الإسلام، وامتد إليها سلطان المسلمين، وكان خليفتهم يخاطب السحابة قائلا:"أمطري أين شئت، فإن خراجك محمول إلينا".
أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، مادام تغيير الأحوال يرتبط بتوجه الأمة ونواياها وأعمالها وسلوكها نحو الخير، فلا بد لأمتنا من سلوك هذا التوجه، ليغير الله أحوالها، ويأخذ بيدها نحو مراقي العزة والفلاح.
جديرٌ بالأمة بعد أن جربت كل المبادئ الأرضية من قومية واشتراكية ورأسمالية أن تعود ثانية إلى رحاب إسلامها، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور، وأنزلها المنزلة اللائقة بها بين أمم الأرض كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] .
أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، إن الإسلام العظيم الذي وقف في وجه المغول والتتار يوم كان شعار المعركة في عين جالوت"وا إسلاماه"، هو نفسه الذي وحد المسلمين بقيادة الناصر صلاح الدين، وحرر القدس وبلاد الشام من دنس الصليبيين، وهو نفسه ـ أي: إسلامكم ـ القادر إذا توجهت الأمة إليه بتحكيمه والاحتكام لشرعه، أن يقف في وجه المشاريع الاستعمارية، التي تسعى لبسط نفوذها على ديار المسلمين، وهي جادةٌ بالقضاء على حضارتهم وثقافتهم وتفكيك وحدتهم، ووضع حدٍ لنهضتهم وقوتهم، في حربٍ لا تخفي أهدافها، للقضاء على العقيدة الإسلامية والمسلمين، من خلال شعارات براقة ومبادئ هدامة، يدركها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أما أنتم يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، يا من شرفكم الله بالرباط في بيت المقدس وأكنافه، وجعلكم سدنة وحراسًا لمسجدها الأقصى الذي بارك الله فيه وبارك حوله، فعليكم بمزيدٍ من الصبر والثبات والعمل المخلص ذي النوايا الحسنة، وعليكم بالعزيمة الصادقة على وحدة الصف والموقف والكلمة، في مواجهة الأخطار التي تحيط بكم وبقضيتكم وبمقدساتكم وبمقدرات شعبكم، في زمن العجز العربي والصمت الدولي على ما يجري في أرضكم الطاهرة، فإرادة الحرية وإرادة العزة لا يقمعها الحديد، ولا يخمدها البطش، ولا تقهرها السجون، ينشرون كل ما من شأنه أن يفتّ في عضدكم من السماسرة والعملاء والخونة والجواسيس، الذين لا همّ لهم إلا متاع الدنيا الزائل والثمن البخس في مواقفهم الجبانة، التي تمكن للاحتلال والمحتلين.