فهرس الكتاب

الصفحة 9404 من 27364

قد يعتقد البعض أنني أبالغ أحياناً عندما أورد بعض الحقائق عن حياة رجال الدين النصارى وما يجري وراء جدران الكنائس، أو ما تعبر عنه ألسنة الأتباع، لكنني لست الشاهد الوحيد على تلك الحقائق، فلربما أصبح كل شيء في هذه الحياة يشهد بها حتى الدواب والشجر والحجر، ولكننا لا نفقه شهاداتهم، مما يدل دلالة قاطعة على اقتناع أتباع العقيدة النصرانية في قرارة أنفسهم بأنها عقيدة باطلة وزائفة، ومتعارضة مع الواقع والمنطق والفطرة، ولكنهم مع ذلك يتمسكون بها، ويدافعون عنها، ويحاربون ما سواها لحاجة في نفس يعقوب.

لقد اعترف لي عشرات القساوسة الذين قابلتهم في أماكن مختلفة في القارة الأفريقية أن لقمة العيش هي التي تشدهم إلى دين النصارى، ولولاها لأعلنوا إسلامهم دون تردد لاقتناعهم بأنه الدين القيم، ومما يؤكد هذا الواقع حرصهم الشديد على تربية أبنائهم خارج بيئة الكنيسة لعلمهم أنها بيئة ملوثة عقدياً وخلقياً وحتى مالياً: بسبب تعدد طوائفها، واختلافها على دينها، وتفشي الموبقات والرذائل فيها كالزنا، والاستهانة بالأعراض، والسرقات، وشرب الخمور، وأكل أموال الناس بالباطل, إلى حد أن بعض القساوسة تمردوا صراحة على كنائسهم، فأرسلوا أبناءهم إلى مساجد المسلمين ليتعلموا أخلاق الإسلام.

هذا على مستوى القمة، أما على صعيد قاعدة الأتباع فالأمثلة أكثر من أن تُعد وتحصى، وأحب هنا أن أذكر موقفاً واحداً يمثل صورة واقعية في المأساة العقدية التي يعيشها 'المؤمنون' بالنصرانية، كان ذلك قبل سنوات عندما خرجت في رحلة برية عبر طريق وعر نحو أحد مراكز الأيتام في وسط كينيا، وهو المركز الذي كان يعمل فيه بعض الصباغين النصارى الكاثوليك، حيث أتيحت لي فرصة محاورة أحدهم، وكان شديد التعصب لعقيدته.

فلما سألته عن معاملة العمال المسلمين به شهد شهادة حق بأنها معاملة حضارية، وأثنى كثيراً على خلقهم الرفيع الذي يمنعهم من ارتكاب المحرمات كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، واسترسل في مدحه أخلاق المسلمين، حتى إذا استوقفته بسؤال عن 'أخلاق' الكنيسة أطرق برأسه إلى الأرض فسكت ولم يجبني، وعملاً بخلق الكريم الذي لا يستقصي توقفت عن طرح المزيد من الأسئلة، فطفقت أبين له الدين الصحيح، وشعائره السمحة التي تلائم فطرة الإنسان، وترقى بسلوكه عن الدنايا والأباطيل، وتحرره من الجهل والتخلف، ومظاهر العبودية والاستغلال، والفقر الحقيقي، وكنت في نفس الوقت أظهر له إعجابي بإتقانه لعمله، وإخلاصه فيه؛ بغض النظر عن عقيدته, وقد بلغني عقب هذا اللقاء بأيام أن هذا العامل قد أسلم وحسن إسلامه، وأصبح من المحافظين على أداء الصلاة في المسجد.

إن هذه الأزمة العقدية التي تعيشها النصرانية في باطنها وظاهرها، والتي صنعت هذا الإيمان الزائف في نفوس رهبانها وأتباعهم منذ بدايتها؛ تتفاقم عصراً بعد عصر، وجيلاً بعد جيل، وتتحول تدريجياً إلى دليل قاطع على أن المستقبل في أفريقيا وفي غيرها سيكون للإسلام - بإذن الله تعالى -، ليتحقق وعد الله - عز وجل - القائل: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ) ) [الفتح:28] .

اعترافات قس مهتدٍ:

بوسيروكا قرية تقع على مقربة من بحيرة ألبرت الأوغندية، يعاني سكانها مشكلة النقص الحاد في مياه الشرب، حيث يضطرون إلى قطع مسافة نصف ساعة مشياً على الأقدام لبلوغ البئر الوحيدة التي يتزاحم حولها السقاة، ويتدافعون من أجل قليل من الماء.

إلى هذه القرية الفقيرة توجه وفد من دعاتنا ليطلعوا على أحوال إخوانهم المسلمين فيها، ويدعوا غير المسلمين إلى دين الله الحق، وكان في هذه القرية قسيس كبير يعد من الشخصيات البارزة في هذه المنطقة، حيث كان يشغل منصب رئيس لجنة المقاومة، ورئيس الدائرة الكاثوليكية التابعة لهذه المنطقة التي تضم سبع كنائس لمدة ثماني سنوات.

وقد عرف بإخلاصه في عمله، وتفانيه في خدمة الكنيسة، ولم يكن عمره يتجاوز ستة وأربعين عاماً عندما هداه الله لنور الإسلام.

ويورد هذا القس لدعاتنا الزائرين بقوله: 'لقد لاحظت أن الكنيسة لا تشجع الناس على قراءة الإنجيل خوفاً من أن يطلعوا على تعاليمه المضطربة، فيدفعهم ذلك إلى الخروج عليها، وإنشاء طوائف جديدة، ولذلك لم تسمح لي الكنيسة بقراءته إلا بعدما أصبحت قسيساً.

وكنت أشعر بالحزن والأسى في صلاة يوم الأحد التي اقتصر فيها على قراءة موعظة واحدة، ومن كتاب واحد موزع على أسابيع السنة، في الوقت الذي كان فيه المسلمون يطبقون في صلواتهم تعاليم الإنجيل التي تركها الكاثوليك والبروتستانت كسجود عيسى وحوارييه تقرباً إلى الله، وطلباً للنجاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت