فهرس الكتاب

الصفحة 1474 من 27364

يلاحظ الدارسون لتحوُّلات القيم في المجتمع المصري المعاصر أن السفور كان حالة طارئة، بدأت على استحياء منذ ما يقرب من خمسين عاماً، وبلغت أوْجها منذ ثلاثين عاماً،

ثم بدأ صعودها البياني في التوقف، ثم الهبوط، ولا يزال آخذاً في الهبوط السريع منذ عشر سنوات، وأن المؤشرات كلها تؤكد أن السفور يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، وستعود- بالحتم- السيادة لقانون الله، وأمْره بالحجاب.

ويلاحظ الجميع - على سبيل المثال - أن السفور في الواقع لم يكن مسيطراً إلا على شريحة صغيرة من تعداد المرأة المصرية المسلمة والقبطية على السواء، فالمرأة الريفية والصعيدية والشعبية لم تتخلَّ أبداً عن الحجاب، وهذا أمر دليله وبرهانه في جولة يقوم بها ذو عينين مسافراً بين القرى والنجوع. إذن فالبحث يكون مع التساؤل: كيف تسرب السفور - تلك الحالة الطارئة - إلى معاقل الحجاب، وقلاع المرأة المسلمة؟!.

كيف تحولت قضية تحرير المرأة المسلمة إلى حملة سفور؟!

وكيف أخذت كلمة تحرير مدلول سفور، على الرغم من أن التحرير يأخذ - في الإسلام - مدلول الحجاب، فكانت المحجبة هي الحرة، والسافرة هي الأَمَة؟!، وهل كانت المعركة التي انتصر فيها السفور على الحجاب في بلاد الإسلام، هل كانت معركة شريفة حقاً، انتصر فيها السفور؛ لأنه التطور الحضاري المرتقب - كما زعموا ويزعمون - ولأنه الرغبة الفعلية للمرأة، واختيارها الحر من أجل خلاصها؟.

إن الثابت تاريخياً أن حركة السفور تطابقت زمنياً في الدول القوية الثلاث: مصر، تركيا، إيران، فلقد ألقت هدى شعراوي وسيزا نبراوي حجابيهما، وداستاهما بأقدامهما فور وصولهما من مؤتمر النساء الدولي، الذي عُقد بروما صيف عام 1923، وفي تركيا قام أتاتورك عام 1925 بإجبار تركيا بأكملها - وليس المرأة فقط - على هجر الإسلام كلية، حتى الحرف الذي تُكتب به اللغة التركية متشابهاً مع لغة القرآن، أما نزع حجاب المرأة التركية فقد تم بالإرهاب والإهانة في الطرقات، حين كانت الشرطة يقوم بنزع حجاب المرأة التركية بالقوة، وعندما نصَّب الإنجليز الكولونيل رضا خان شاه إيران عام 1926 - مؤسساً للأسرة البهلوية - قام هو الآخر من فوره بأمر الشرطة بالتعرض لكل امرأة محجبة، ونزع حجابها غصباً، وحظر على الفتيات المعلمات وضع الحجاب، ودخول مدارسهن به، ومنع أياً من ضباط الجيش من الظهور في الأماكن العامة في الشوارع برفقة امرأة محجبة، مهما كانت صلتها وقرابتها به.

هذه الرياح العاصفة التي هبت هكذا في منتصف العشرينات؛ لتقلع المرأة المسلمة من اختيارها العقائدي الحر بالتزام الحجاب الشرعي - متدبرة هذه الآية الكريمة: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً [الأحزاب: 36] .

هذه الرياح العاصفة القامعة الإرهابية هل كانت صدفة في المنطقة؟، وهل كان تركيزها على حجاب المرأة المسلمة مسألة عفوية، قُصد بها الحجاب فعلاً، وخلاص المرأة أصلاً، أم كانت تستهدف - في ضميرها - ما هو أخطر وأبعد من الحجاب؟!

إن المتأمل في النصف الأخير من القرن التاسع عشر مع مطلع القرن العشرين - في إطار الوطن الإسلامي - لن يغيب عنه تميُّز هذه الفترة بالنشاط والحيوية، نشاط وحيوية المخاض، التحضير والإعداد وشحذ الهمم والطاقات لإرساء بدايات واعدة لنهضة وبعث شعوب المنطقة من سُباتها الطويل، وتمهيد الأرض لميلاد صحي للأجنة الشرعية المنبثقة من الإسلام، متجاوزة عصور الكبوات والتحريف، مادة حبلها السُّرِّي؛ لتتغذى مباشرة من صدر الإسلام.

لكن هل كان من المقبول - لدى الطيور المفترسة المحوِّمة، القادمة من الغرب المغتصب للانقضاض والثأر من صلاح الدين - أن تترك للمخاض النبيل مداه، حتى يُولد طفل الرؤيا الجميلة؟!

الإجابة هي الواقع الذي حدث على مدار السنوات الطويلة الماضية، والواقع الذي يحدث الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت