عبد الله بن عبد الرحمن العيادة
عودة إلى الوراء:
سبحان الله، إنها الملفات القديمة تُفتح من جديد، والستار يُعاد فتحه مرة أخرى، لتُعاد صياغة تلك المسرحية، لتُعرض من جديد على مسرح الحياة، والشيطان يعود مرة أخرى بنص جديد، وبوجوه جديدة هذه المرة، ولكنها نفس الفكرة القديمة والمنتنة، فقط، تغير الزمان والمكان والهويات، مع فارق التوقيت، والقاسم المشترك فيما بينه، هو الاتفاق على المنهج.
والمسرحية الهزيلة القذرة، والحقيرة، التي عُرضت، فكرتها ليست جديدة، بل قديمة جداً، وموغلة في القدم، ولكن فقط تغير الأسلوب، والمنفذ.
هذه المسرحية، هي تلك الزوبعة الحاقدة، التي أثارتها بعض الصحف الدنمركية، والتي سخرت من أشرف من سار فوق الأرض من البشر جميعاً، والذي حاز الفضائل كلها، فقد زكّاه، من خلق السماوات والأرض، (وإنك لعلى خلق عظيم) إنه محمد بن عبد الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد عرف كل الناس، هذا الفعل الذي يوضح مدى الحقد الدفين، الموغل في القدم، والذي يتوارثه القوم جيلاً بعد جيل، وهي العداوة والبغضاء للإسلام ونبي الإسلام، فثارت ردود فعل رائعة جداً، من قبل أطياف المجتمع المسلم بشرائحه كافة الرسمية والشعبية، وهذا هو المؤمل، وهي ردة فعل طبيعية لمثل هذا العمل، الخالي من كل القيم. والذي يفصح عن حقد دفين تجاه الأمة الإسلامية ونبيها، - عليه الصلاة والسلام -. من بعض عباد الصليب وأهله.
وإذا تأملنا هذه المنحنى الخطير الذي بدأ يسلكه القوم، تجاه الإسلام ونبيه، صلى الله عليه وسلم ، نجد أنه ليس غريباً عليهم، فهاهو معلمهم الأول، عندما طُلب منه الإذعان لخالق السماوات والأرض، والسجود لأبي البشر، رفض الانصياع بكل صلف وغرور وتكبر، وقال قولته المشهورة: (أنا خير منه) فقد زكّى نفسه بنفسه، فلما حل به ما حل من العقاب والطرد، صب جامّ غضبه على ذريته، بزعم أنه كان السبب في حرمانه وطرده وخسارته، فأراد أن ينتقم منهم، وعلى رأس هذه الذرية تلك الثلة من أبنائه، الذين اصطفاهم الخالق - سبحانه وتعالى - لمهمة عظيمة وشاقة، وهي تبليغ رسالته - سبحانه وتعالى - إلى ذريته، وهي الدعوة إلى ألوهية الخالق وتفرّده - سبحانه - بكل شيء (ألا له الخلق والأمر) .
فلما جاء الأمر الإلهي ببداية المسيرة الدعوية، على يد نوح - عليه الصلاة والسلام -، بدأ الحرب والكيد، ثم بدأت فصول الرواية تتكرر في كل عصر، ومع كل نبي، إلى أن وصل الوقت إلى عصر آخرهم، وأزكاهم وأشرفهم وأخيرهم وخاتمهم، الذي جمع كل الأديان في دين واحد، وهو دين الإسلام. إنه محمد صلى الله عليه وسلم .
فتعالوا نسلط الضوء على بعض فصول هذه القصة، لنعرف ما هو دور الشيطان فيها، وما هي طرق الكيد التي حاكها، لنعرف أن هؤلاء القوم الذين نالوا من شخصية المصطفى، صلى الله عليه وسلم ، لم يأتوا بجديد، وإنما هو السيناريو يُعاد عرضه مرة أخرى، ولكن بألوان ومساحيق جديدة، وبأشخاص جدد، وأماكن جديدة.
فهاهو المشهد الأول يُعرض في عهد نبي الله نوح، - عليه الصلاة والسلام -، فقد أخرجت الشرذمة الكافرة، وبرسم شيطاني حقير، من أجل خداع الدهماء من الناس لتنطلي عليهم الحيلة فينصرفوا عن هذا النور، فقد سجل القرآن هذا المشهد بوصف رائع ومبهر يأخذ بالعقل، تأمل:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (هود: 25) (... أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأحقاف: من الآية21) . تأمل بداية الطعن والاستهزاء، والمكابرة ولكن بطريقتهم.. (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود: 27) . ألاحظت الظن هنا، هم يعرفون أنه يقين وحق، مع العلم أنهم يزيفون الواقع على الدهماء أنه ظن وكذب؟