فهرس الكتاب

الصفحة 14971 من 27364

الحمد لله ، والصلاة والسلم على رسول الله ، وعلى آله ، وصحبه ، ومن ولاه ، وبعد:

فلن تفرح (أمريكا) بشيء يخص العالم الإسلامي بقدر فرحها بما يسمونه بـ (الإسلام الليبرالي) ، أو (العصرانية) ، أو (العقلانية) ، أو ما نسميه نحن وهو أقرب (أهل الأهواء) .

هذا التيار لم ينل حقه من الكشف والتعرية ، بل واجه حياداً واضحاً من كبار العلماء بدعوى الانشغال بـ (العدو اليهودي) ، ولا أدري أنسوا أم تناسوا أثر (النمل الأبيض) في تجويف جسد الأمة ، وهي منشغلة بالعدو الخارجي اليهودي !

إن الأمة ستهوي حتماً أمام العدو اليهودي إن هي تركت عصاها تأكل العصرانيةُ من سأته ، وعلى علماء الأمة أن يهبوا لوأد هذه المدرسة كما هبوا أيام الحداثة عندما كشف عوارها (عوض القرني) ، ورفع من شأن رسالته تقديم الشيخ ابن باز ، فخبت الحداثة بعدها ، ولم تصبح سوى (حكاية) تروى على أرفف المكتبات !

وقد قرر غير واحد من أهل العلم أن قتال الخوارج أولى ، وأهم من قتال الكفار الأصليين ، إذ كيف تقاتل الكافر الأصلي وأمنك الداخلي مهدد من ثلة خارجية ، وكذلك في مجال الفكر فإن تعرية الفكر الخارج على دين المجتمع وعقيدته ، وجهاده بالحجة والبيان أولى من الانشغال بعدو خارجي يفرح بتشاغل الأمة به عن ذلك الجنين اللقيط من سفاح الفكر ، ولئن استمر التغاضي عن هذا الفكر بدعوى عدم إعطائهم أكبر من حجمهم ، والانشغال بالعدو اليهودي ، فسيأتي ذلك اليوم الذي لن نستطيع فيه السيطرة على حجمه ، ويستمر بالتعاظم يقع الفأس بالرأس ، فلا ينفع صياح ، ولا عويل على تفريطنا .

إننا بحاجة في مواجهة هذه المدرسة إلى جهد كبير أوله لا يقل عن كتاب عوض القرني (الحداثة في ميزان الإسلام) ، وآخره لا يقف حتى ندفن هذا الفكر في مزبلة التاريخ ، وإلا فإن أضراره ستكون خارج السيطرة ، خاصة والتيار العصراني ما زال في طور التشكل باجتماعاته في (الشقق) ، و (الاستراحات) ، و (الندوات الخاصة) ، ويجذب الكثير من شباب الصحوة إليه .

ومن هذا الباب سأسرد بعض الفصول حول المدرسة العصرانية شاملاً تعريفها ، ورموزها ، وأفكارها ، حسب ما يتوفر لي من المراجع ، على أن أعزو ما انقل إلى مصدره قدر المستطاع .

سائلاً المولى جلّ وعلا أن يوفقنا وجميع الدعاة والعلماء إلى نصرة دينه .

إنه ولي ذلك والقادر عليه .

فصل

تعريف العصرانية

قد كثرت عبارات التعريف بهذه المدرسة ، ولكن كلها لا تخرج - تصريحاً أو تلميحاً - عن أصالة العقل عندهم ، وتقديمه على النقل .

فقد قيل في تعريفها: اتجاه يقدم العقل على النقل ، ويجعل العقل مصدراً من مصادر الدين ، ومُحَكَماً في النصوص . (انظر: الاتجاهات العقلية الحديثة ، العقل ص17) .

وقيل: إنها وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي ، والثقافة المعاصرة تستلزم إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة . (أنظر: المدرسة العصرانية ص15 ، العصرانيون ص6 ، لمحمد بن حامد الناصر) .

وقيل: هي مذهب فكري يزعم أنه يمكن الوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود عن طريق الاستدلال العقلي بدون الاستناد إلى الوحي ، أو التجربة البشرية ، وإخضاع كل شي في الوجود للعقل لإثباته ، ونفيه ، وتحديد خصائصه . (انظر: الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب المعاصرة ص2/796) .

وهذا التعريف الأخير تعريف للعصرانية التي ظهرت في أوربا بعد الثورة على الكنيسة في ذلك الحين حيث أن سرد الموسوعة للرموز والأفكار كلها متعلقة بتلك المرحلة .

إذن فالمدرسة العصرانية ، أو العقلانية - إن صحت العبارة - هي اتجاه يعمد إلى تطويع أحكام الدين ونصوصه إلى حاجات العصر ، وعمدتهم في ذلك ما تؤديه إليه عقولهم مما يعتبره مصلحة يوجب تقديمها بحجة روح الإسلام ، ومقاصد الدين ، وضرورياته .

فصل -ألقاب هذه المدرسة

كثرت الألقاب لهذه المدرسة ، لكن أهلها يهيمون حباً وعشقاً في تسمية أنفسهم بـ (التنوير) فتجد التنوير مضافة إلى أشياء كثر ، فهم (شباب التنوير) ، وشقتهم الكائنة في شارع ابن خليفة المؤمنين !! (شقة التنوير) مشاكلة لـ (شقة الحرية) !!

ويسميهم خصومهم بـ (العصرانيين) نسبة إلى تطويعهم الدين لموافقة العصر .

و (المعتزلة الجدد) وذلك بسبب مشابهتهم للمعتزلة في تقديم العقل ، واعتباره في وجه النصوص ، وأيضاً لأنه يندر أن تجد عقلانياً عصرانياً لا يمجد المعتزلة ، ولا يعلي من شأنهم ويرى أنهم دعاة الحرية ، وإعمال العقل !

ولكن وإن شابهوا المعتزلة في ذلك إلا أن المعتزلة أفضل منهم حالاً ، ففيهم تعظيم للشريعة ، وعبادة ظاهرة - وإن كانوا لا يخلون من زندقة في بعضهم - أما هؤلاء فهم بلا دين فتجد أحدهم كان يحافظ على الصلاة جماعة ، وما أن ينتهج هذا المنهج حتى لا تكاد تراه في المسجد ، وتبدأ الآراء الغريبة تبدوا في (اختياراته) !!! فهو يرى سنية صلاة الجماعة ، وسنية أخذ ما زاد عن القبضة - من فوقها لا من تحتها !! - وجواز إسبال الثياب لغير الخيلاء ، وجواز كشف وجه المرأة ، وغيرها من غرائب المسائل بدعوى التجديد ، والتنوير !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت