فهرس الكتاب

الصفحة 5271 من 27364

سؤال النهضة والتنمية المعلق يعود أكثر إلحاحاً وأهمية

إبراهيم غرايبة 29/7/1426

كان فتح مدينة القسطنطينية عام 1453م ثم الزحف الإسلامي غرباً حتى أسوار فيينا عاصمة النمسا عام 1683 مصحوباً أيضاً بانحسار إسلامي في الأندلس وشرق آسيا والمحيط الهندي وامتداد بحري استعماري برتغالي، ثم هولندي ثم بريطاني في الخليج العربي والهند، وأفاق العرب والمسلمون في عام 1798 على دوي المدافع الفرنسية تدك المدن المصرية.

ربما كان الخروج الإسلامي من الأندلس عام 1492 بعد ثمانمائة عام من الوجود الحضاري والسياسي المميز، ثم الانسحاب التركي العثماني عام 1683 عن فيينا بعد فشل الحصار عليها، وما تبع ذلك من سلسلة الهزائم التركية، والتي ربما بدأت جذورها قبل ذلك بمائة عام، منذ عهد السلطان سليم الثاني حفيد سليم الأول الذي أدخل الوطن العربي في الدولة العثمانية عام 1516، وابن سليمان القانوني الذي بلغ بالدولة العثمانية إلى أوجها، ثم الحملة الجغرافية والاستكشافية والاستعمارية التي بدأت عام 1492، وهو العام الذي سقطت فيه غرناطة بحملة كولومبوس لاكتشاف طريق بديل إلى الهند أدى إلى معرفة الغرب بالقارة"الأمريكية"التي كان يعرفها العرب قبله بألف وخمسمائة سنة على الأقل، وما تبعها من حملات بحرية في المحيطات والبحار أدت إلى هيمنة على السواحل والممرات والخلجان والطرق البحرية التي كانت تحت سيطرة العرب، ثم الاحتلال البريطاني للقارة الهندية والسيطرة على الطريق البحري والبري الممتد بين أوروبا والهند بدءاً بمضيق باب المندب وجبل طارق ومروراً بالجزر والسواحل والخلجان في البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي.

وأفاق العرب والمسلمون متأخرين ربما بعد ثلاثمائة سنة على حقيقة تخلفهم عن الغرب، وتقدمه عليهم أشواطاً بعيدة، فكانت الحملة الفرنسية على مصر بداية للسؤال العربي الإسلامي القاسي والملح، ما الذي حدث؟ ما الذي أوقف المد الإسلامي الحضاري والسياسي والعسكري بعد ألف عام من النمو والاتساع المتواصل؟ كيف يستعيد العرب والمسلمون نهضتهم؟

أين الخطأ؟ هو السؤال الذي يعتقد برنارد لويس أن المسلمين دأبوا على طرحه منذ مدة طويلة عندما أدركوا تفوق الغرب عليهم، فهو سؤال يشي بالمرارة والقلق وإحساس متزايد وعميق بالغضب، فقد كان المسار الإسلامي آخذاً بالصعود والتفوق لأكثر من ألف سنة من الفتوحات والانتصارات، بدأت في الشام والعراق في القرن السابع الميلادي، وتواصلت في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وصاحب تلك الحملات العسكرية تجارة واسعة ومتنوعة وممتدة في القارات الثلاث، وحركة ثقافية وعلمية وفنية.

ثم بدأ المد الإسلامي بالتوقف والانحسار، فتوقفت الانتصارات، وبدأ الانحسار من أنحاء مختلفة من العالم بدءاً بالأندلس في نهاية القرن الخامس عشر، وتوقفت حركة الترجمة الكبرى، وتوقف الإنتاج العلمي والمعرفي، وبدأ الأوروبيون يحرزون تقدماً ملموساً في فنون الحضارة، وبقدوم ما يُسمّى"المعرفة الجديدة"بدأوا يتقدمون بسرعة، وسبقوا التراث العلمي والتكنولوجي ثم الثقافي للعالم الإسلامي بأشواط طويلة.

وعندما استطاع فاسكو دي غاما الوصول بحراً من البرتغال إلى رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر فتح طريقاً بحرياً بين أوروبا وآسيا متجاوزاً المجال الإستراتيجي للطريق السابق الذي كان يسيطر عليه المسلمون، وبدأ البرتغال والإسبان والهولنديون ينشئون قواعد لهم في جنوب شرق آسيا، وفي الموانئ والسواحل المطلة على المحيط الأطلسي والمحيط الهندي لتأمين طرق التجارة والتحكم بها.

وكانت القارة الأمريكية التي اكتشفها الغرب مصدراً للموارد والهيمنة التي لا تصلها القوة الإسلامية العثمانية، ومكنت الأراضي الخصبة والمعادن التي امتلكها الأوروبيون من الاستغناء عن كثير من المنتوجات القادمة من الشرق الأوسط وآسيا، ونشطت المهارات التجارية والحرفية.

وكانت هزيمة الأتراك في فيينا عام 1683 بداية تحول وانكسار، وتبعتها هزائم متوالية ومتواصلة، في مالطة عام 1684، وفي المواجهة مع روسيا عام 1696 عندما استولى القيصر الروسي بطرس الأكبر على مدينة أزوف على البحر الأسود.

وبعد الحملة الفرنسية على مصر بدأ المسلمون يتطلعون إلى التجربة الفرنسية الثقافية والحضارية بصفة ذلك خطوة للنهضة من جديد، وأملاً في أن يجدوا في هذه الأفكار محركات تدير عجلة العلوم والتقدم.

وأصبحت التجربة الأوروبية"العلمانية"تمثل مرجعية لحركات التحديث والإصلاح في العالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو ما دعا إليه كثير من المصلحين والمفكرين، مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت