فهرس الكتاب

الصفحة 5272 من 27364

وكان المثقفون الذين حكموا العالم الإسلامي وتولوا المناهج والإدارة فيه ممن سار في طريق الغرب، وتحولت الدول الإسلامية إلى علمانية، ثم ظهرت موجة إسلامية مضادة تدعو إلى نبذ العلمانية، باعتبار أن الإسلام مختلف عن المسيحية، فالدولة الإسلامية ليست دينية إلا بالقدر الذي تُعدّ فيه بريطانيا ملكية، ومشكلة النزاع بين الدين والدولة هي مسيحية أوروبية، ولا تنطبق على العالم الإسلامي.

كان المسلمون يحتقرون الغرب ولا يأبهون بالجهود الحثيثة التي يبذلها للنهضة والتقدم، وعندما أفاقوا على صدمة التفوق التقني في بداية القرن الثامن عشر كان الغرب قد سبقهم بأربعمائة سنة في التقدم العلمي، وبدأ التأثير الغربي يغزو الشرق من مدخل التقنية.

عرف الشرق الساعة الميكانيكية التي يصنعها الغرب لقياس الزمن بدقة تتفوق على الوسائل التي كانت تستخدم في الشرق، كان ذلك في القرن السادس عشر الميلادي، ثم المطبعة والنظارات الطبية والتلسكوب.

وبدأ الحكام في الأستانة (استمبول) والقاهرة يستعينون بالغرب لتحديث دولهم وجيوشهم، واستقدم الخبراء من الغرب للمشاركة في عمليات إعادة تنظيم الجيش، واستخدمت أنظمة الإدارة الغربية، والأسلحة الغربية، وأُرسلت البعثات التعليمية إلى الغرب لاقتباس العلوم الغربية"الإفرنجية".

وبدأ تذوق الموسيقى الغربية والفنون الغربية أيضاً، وانتشر اللباس الغربي، وأنظمة العمارة في البيوت والقصور والمباني العامة، حتى المساجد صارت تبنى على الطراز المعماري الغربي.

وعندما يظهر تأثير أجنبي في شيء ذي أهمية جوهرية لثقافة ما، مثل المؤسسات والمساجد فهذا يعني أن الثقة بالنفس ثقافياً قد اهتزت.

كان التأثير البصري الغربي طاغياً بدءاً في اللوحات الفنية والصور الشمسية ثم في اللباس، وكان لذلك تأثير على الهوية والمعتقدات، فالصور والتماثيل التي كانت محرمة في الثقافة الإسلامية صارت شائعة في القصور والمطبوعات والنقد وطوابع البريد، وبدأ التغيير في الجيوش التي صارت جميعها ترتدي أزياء غربية، ثم امتد تغيير اللباس إلى المجتمعات، وعندما يغير الناس ملابسهم ويرتدون ملابس مجتمع آخر يكونون قد اتخذوا خياراً ثقافياً آخر، وقد يكون مقاومة أو قبول تغيير الملابس- والذي ظل موضع جدال في الشرق أكثر من قرنين- يستند إلى هذه الدلالة.

وبدأت الترجمة تشهد مساراً مختلفاً عما عهدته طوال القرون الماضية، فقد بدأت ترجمة الروايات والمسرحيات، واتجهت الترجمة نحو اللغات الغربية، وانحسرت اللغة الفارسية والتركية من الوسط العربي، كما انحسرت العربية من الأوساط الإيرانية والتركية، واقتبست بلدان الشرق الأوسط الأنواع الأدبية الأوروبية، مثل الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، واستوعبت في الشرق استيعاباً كاملاً، وزادت أعداد الكتب الأصيلة من هذه الأنواع التي تصدر في هذه البلدان، بل لقد أصبحت هذه هي الأنواع الأدبية المعتادة للتعبير، وامتد التأثير إلى النسيج اللغوي نفسه، حتى إن الكتابات العربية الحديثة والأصيلة في الشرق الأوسط وبخاصة في الصحف تبدو وكأنها ترجمة حرفية من الإنجليزية والفرنسية.

وامتد التأثير الثقافي إلى التسلية والترفيه، فانتشرت ألعاب الورق، والألعاب الرياضية البدنية، مثل كرة القدم والسلة والبولو.

وكان دعاة الإصلاح والتحديث في العالم الإسلامي يركزون جهودهم في ثلاثة مجالات رئيسة، هي المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال، فقد أدى السعي للنصر بجيوش محدثة إلى سلسلة من الهزائم المهينة، وأدى السعي للرخاء عن طريق التنمية الحديثة إلى الفقر والفساد والاعتماد على المساعدات الخارجية.

ولم تساعد الجيوش ولا المدارس والجامعات والمصانع والبرلمانات دول الشرق ومجتمعاتها، ولا أوقفت الفجوة بين العالم الإسلامي وبين الغرب، وكل ما عملته أنها ساعدت بعض النخب.

ولم يقتصر الأمر على أن يجد المسلمون أنفسهم ضعفاء وفقراء بعد قرون من الثراء والقوة، فقد أتى القرن العشرون بمزيد من الإذلال والهزائم، وتقدمت عليهم دول أخرى كانت أضعف وأفقر، مثل اليابان ودول شرق آسيا.

ومازال السؤال الأساسي مطروحاً: أين الخطأ؟ وكيف نصحح؟

الكثير من المسلمين يطرحون السؤال اليوم في سياق النقد الذاتي بعيداً عن رد الأسباب كلها إلى الاحتلال والهيمنة والاستعمار، ويردها البعض إلى قضايا ومفاتيح إصلاحية ونهضوية، والبعض يردها إلى قضايا ثقافية وفكرية تعود إلى التخلي عن الثقافة الإسلامية والتبعية الثقافية والفكرية للغرب.

والمشروع الغربي للإصلاح يرد مشكلات العالم الإسلامي إلى غياب الحرية، حرية التفكير وحرية الاختيار، وحرية الاقتصاد، وحرية المرأة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت