فهرس الكتاب

الصفحة 5316 من 27364

يوسف الحجيلان 5/3/1426

إن منطق الهيمنة الذي تفرضه القوة شطر من قاعدة أن القوة مادة البقاء وقوام الحياة. وفي عالم يؤمن بالمادة لا غير ويعتقد بالمحسوس، وتبقى المثل والتقاليد (رشوت) خطابات ومواد دعاية وإكسسوارات تُستخدم عند الحاجة!!

تبقى هذه القاعدة أكثر رسوخاً وواقعية.

وفي أتون هذا الواقع وسيادة هذا المنطق تبقى تبعات الحادي عشر من سبتمبر تساؤلات يتصدر إجابتها بسطاء يرون أن ما تبعه من تغيّرات مسبَّب ونتيجة له.

ومتجاهلون ينظرون بعين طُوّعت لتنظر ما يروق لها، ويوافق توجهاتها لا غير, من قبيل أنه -ومنذ الأزل- وأمريكا تخطط لمثلما فعلت بعد هذا الحدث, ووفق كلتا النظريتين: يكون هذا الحدث وتبعاته على المسلمين شبيهاً بقتل خوارزم شاه لتجار التتر، وما جره ذلك الحدث من ملاحم ومذابح على أمة الإسلام, أما عداء أمريكا فمحل وفاق عند الطرفين.

وعلى كل حال فمؤشر التوجّس والخوف الأمريكي من الشرق وخطر الإسلام والأصولية، وما يحمله الفكر الجهادي من خطورة على الغرب واضح الارتفاع والتغير، وخطاب الديمقراطيين فضلاً عن الجمهوريين واضح صريح على لسان كلينتون, بمعاقبة الدول التي لا تسمح لأهل الديانات الأخرى بممارسة شعائرهم على أرضها.

وإن غازلت دوائر الاستخبارات الأمريكية بعض الفصائل الجهادية في بعض النقاط الساخنة لكن من باب عدو عدوي صديقي، وأحياناً كحلقة من مهمة الاستخبار والرصد.

وبعد سبتمبر أجلبت أمريكا بخيلها ورجلها وحدّها وحديدها في استغلال واضح مكشوف لبيئة أوجدها الحدث؛ فصار العالم مهيّئاً لتقبل كل ما يمكن أن يصدر عن أمريكا. واستشفّ صُنّاع القرار الأمريكي تلك الاستجابة فقالوا: من ليس معنا فهو ضدنا، في إسقاط جليّ لكل معايير الحكمة، وإلغاء لحرية التفكير واستقلال القرار.

فأرعبت دول العالم ووجدت نفسها تُساق راغمة أو راغبة لتستجيب للنداء الأمريكي لمكافحة الإرهاب، وضرب أصوله وتجفيف منابعه.

وكانت زأرة الأسد الجريح كافية لتبليغ الرسالة وتحديد المهمة، ولم تكن الحكومات بحاجة لجسّ المصداقية واختبار النوايا.

كيف وهي ترى بأم عينها حاملات الطائرات والبوارج والقاذفات العملاقة، وعشرات الألوف من نخبة الجيش الأمريكي تمخر عباب البحر، وتشق عنان السماء متوجهة شرقاً لمحو دولة طالبان من الخارطة السياسية.

في تطبيق واضح صريح للشعارات التي رُفعت إثر الحدث.

وبدأت مصانع القرار الأمريكي ممثلة بوكالة الاستخبارات والمباحث الفدرالية ومكاتب الأمن القومي والبنتاجون، ومئات النفعيين من يهود ونصارى متعصبين ورأسماليين بدؤوا كل يعمل على شاكلته، ويخدم منفعته من خلال وضع ما يُسمى بسياسة القضاء على الإرهاب مسخّرين في سبيل ذلك كل المنظمات العالمية ومطوعين كل النظم، وبحجة أنهم اكتوَوْا بناره فكلمتهم الأولى بأن تسمع في سبيل مكافحته.

وعلى الأثر بدأت القرارات والأنظمة تصدر في غير بلادها لتُطبّق حيث شاء الخصم، فاتُّهمت أمم وامتهنت معتقدات، وديست مبادئ، واستبيحت حرم بهذه الحجة.

وكانت مناهج التعليم والمدارس الدينية وحلق العلم والقرآن بل القرآن نفسه والسنة كان هذا كله أول من دخل قفص الاتهام والمحكمة، ولم يخرج بتهمة التنظير للإرهاب، ووضع قواعده فهو بحاجة لفلترة وتنقيح حتى يواكب المجتمع المدني المتحضر، ويساير ركب المعاصرة، ويليق بزمن المنظمات الإنسانية والحقوقية.

وهنا سؤال فرضه واقع: هل كانت المناهج التعليمية وما صحابها، فعلاً ترقى لمستوى التهمة فهي بحاجة لإعادة نظر وفلترة وصياغة جديدة.

والجواب ذو شقين:

أولاً: إن عدداً كبيراً ممن شاركوا فيما يُسمّى بعمليات إرهابية بل وحتى في حدث سبتمبر نفسه، تعلّموا إما في بلاد علمانية بحتة، أو في دول لا تعطي مدارسها للمنهج الديني كبير اهتمام؛ فتدرس أبواباً في الآداب العامة لا تمسّ من قريب ولا بعيد أبواب الجهاد والولاء والبراء والتكفير وغيره.

ثانياً: هذه المدارس والمناهج والحلق محل التهمة كانت فجذورها تضرب في التأريخ قدماً، ولم تحدث شيئاً من هذا فما معنى أن يكون اليوم هو ميلاد مفعولها ونتاج دراستها وثمرة جهدها؟

وهل احتاجت ثلاثمائة سنة من الحملات الصليبية على بلاد الإسلام، ثم بعدها الاستعمار الإمبريالي وما نتج عنه من عسف وقهر واضطهاد؟ وهل احتاج هذا كله لأكثر من سايكس بيكو وبطرس الناسك وشره الكنيسة؟ وهل احتاج التراجع والانكفاء لتغيير في مناهج معاهد اللاهوت والكليات الإنجيلية وسراديب الفاتيكان؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت