…د. أسامة القفاش-القاهرة **
بوش.. هل ينجح في أن يكون مارشال العالم الجديد؟
في مقال له منشور في مجلة"شئون خارجية"Fo r eign Affai r s عن الإستراتيجية الأمريكية في عدد شهر يونيو 2002، بعنوان"تغيير العسكرية"كتب دونالد رامسفيلد يقول:"عندما اختارني الرئيس جورج دبليو بوش للعودة إلى البنتاجون بعد أن تركته بخمسة وعشرين عاما، وطالبني بأن أجدد إستراتيجية الدفاع كان يعرف أني من محبي الزمن القديم. وأشك أنه كان يظن ولو للحظة أني سأعيد الفرسان. ولكن هذا بالتحديد هو التجديد الذي أعنيه".
هنا لا يسعني إلا أن أتذكر حلقة أمريكية من حلقات"ميستري موفي"Myste r y Movie من بطولة الشرطي المتجول ماكلويد. حيث يدخل المارشال -وهو الشرطي المتجول عبر الولايات على ظهر جواده، في مقابل"الشريف"، وهو شرطي البلدة المستقر- نيويورك بأبراجها وناطحات السحب فيها على ظهر جواده ليقر الأمن فيها ويحل غموض جريمة أقضت مضجع رجال أمنها.
الصورة التي كان يعنيها رامسفيلد هي صورة هجوم رجال القوات الخاصة الأمريكية على صهوات الجياد لاقتحام مواقع قوات الطالبان في"مزار الشريف". كانت القوات الخاصة الأمريكية تقود الهجوم وكان رجال التحالف الشمالي يهجمون. وكان هذا هو الحال نفسه مع ماكلويد، يقود العمليات على ظهر جواده ويقوم رجال الأمن في بنيويورك بتنفيذ خططه.
هذا هو التجديد الذي يريده رامسفيلد في عصر العولمة. دور المارشال المتجول في كل أنحاء العالم الذي يحافظ على الموارد الأمريكية في أراضي الغير، ويدافع عن المصالح الأمريكية، خصوصا عندما تتعارض مع مصالح هؤلاء الذين وضعتهم الظروف على الأرض التي تحتوي تلك الموارد.
كيف ولماذا حدث هذا التغيير؟
كيف تقودنا أمريكا إلى التاريخ وما يسمى العقد الفيتنامية؟ إن تاريخ التدخلات الأمريكية المباشرة الذي وصل ذروته مع حرب فيتنام يقدم لنا دروسا عدة، أهمها أن التدخل لا يجب أن يؤدي إلى تذمر في الداخل، وإلا فلن يحقق الحد الأقصى من أهدافه، وتلك خسارة كبيرة. العقدة الفيتنامية لا تعني أنه تدخل خاطئ، لأن التدخل كسياسة ليس موضع تساؤل من الأساس. إنما نعني أنه يجب تقليل حجم الخسائر البشرية وإخفاء الأمر عن الجمهور الأمريكي، وتهيئته لقبول التدخل بشكل أو بآخر. ولقد كان رامسفيلد صريحا عندما قال عن نفسه إنه من"محبي الزمن القديم"فالتجديد الذي يتكلم عنه يعود في الواقع إلى ربع قرن مضى تقريبا منذ أيام ريجان. كانت حكومة ريجان هي أول حكومة أمريكية تقر التعامل مع"فيتنام" (العقدة وليس البلد) باستخدام الأساليب السابقة:
-كيف يمكن تقليل حجم الخسائر البشرية بالاعتماد على القصف الجوي وباستخدام قوات محلية؟ وهذا ما حدث في نيكاراجوا (الكونترا) .
-كيف يمكن إخفاء الأمر عن الجمهور الأمريكي؟ التمويل عن طريق ملتو وبطرق غير مباشرة (فضيحة أوليفرنورث) .
-كيف يمكن تهيئة الجمهور الأمريكي بزرع الخوف من عدو وهمي؟ (الإرهاب الدولي- إمبراطورية الشر) .
ماذا قدم رامسفيلد في هذا الصدد؟ لا شيء إلا استخدام سلاح الفرسان!! وإن هذا يعني الوصول بالسياسة إلى ذروتها!! الاعتماد على المحليين والتكنولوجيا العالمية. ولتهيئة الجمهور الأمريكي ديباجات الحرية وحقوق المرأة وقهر الإرهاب.
والاعتماد على المحليين واستخدام التكنولوجيا العالمية ليس أمرا حديثا أيضا، فهذا ما حدث في كوريا وفيتنام، المشكلة كانت في حجم القوات الأمريكية ومدى تقدم الأسلحة، وهو التجديد الذي يقصده رامسفيلد، لم يعد الكم هو المهم، ولكن الدور الذي تلعبه تلك القوات لعدة أسباب:
1-تقليلا للخسائر البشرية.
2-تقليلا للتكلفة المادية.
3-الابتعاد قدر الإمكان عن حدوث ردود أفعال جماهيرية مؤثرة في الولايات المتحدة.
مارشال الولايات المتحدة المتحرك عبر العالم هو الدور الذي يلعبه الآن الجندي الأمريكي. إنه ليس قوة احتلال، ولكنه قيادة القوة المحلية. هذا ما حدث في العراق والبوسنة وأفغانستان وهو المطلوب حدوثه في المنطقة العربية ومع العراق وفي فلسطين.
هناك أمر آخر مهم في مسألة استخدام التنمية العالمية، وهو يلقي الضوء على"لماذا". ببساطة لأنها مكلفة أي إنها عالية التكاليف وتمثل عبئا على دافع الضرائب، ولكنها تمثل أرباحا طائلة للشركات الكبرى وهي الشركات التي تمول الحملات الانتخابية وتختار الرؤساء والحكومات.
هذه الشركات هي التي تتعرض الآن للفضائح المالية الكبرى مثل إنرون وزيروكس وورلدكوم وإندرسون وغيرها. هذه الفضائح تطال الإدارة ذاتها فتصلنا الأنباء عن تورط بوش في فضائح مالية إبان فترة رئاسته ولاية تكساس، وكذلك مقاضاة تشيني والكلام عن توم ريدج مسئول الأمن الداخلي الذي أحضره بوش بعد 11 سبتمبر.