فهرس الكتاب

الصفحة 9349 من 27364

حسن السرات

"التنصير الحر"يسبق"التبادل الحر"، هذا ما يصفع وجه الإنسان وهو يرقب مسارعة الإنجيليين الأمريكيين إلى العمل بنظرية"مسيحية الإنسان"والانتقال بها إلى"مسيحية المغربي" (أي أن الإنسان يولد مسيحيا بالفطرة، في حين أن الإسلام قرآنا وسنة يخبرنا بأن الإنسان مسلم مؤمن بالفطرة وأن أبويه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) . فعلى الرغم من التوقيع على اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية في المجالات الاقتصادية والتجارية، وعلى الرغم من عدم الشروع في تطبيقها، إلا أن الحركة الإنجيلية الأمريكية سبقت الحركة الاقتصادية والتجارية بمراحل وأوقات . ويبدو أن شهية المنصرين الأمريكيين تفتحت إلى أقصى الحدود بعد نجاحها المدوي داخل بلادها وفي أمريكا اللاتينية، وأخذت تشتغل بهمة عالية ونشاط دائب في مناطق النفوذ الأمريكي، مستعيدة بذلك قصة الاستعمار الأوروبي منذ أكثر من قرنين عندما تحالفت حركة التبشير وحركة الاحتلال والاستيطان للهيمنة على العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة. وتستعين الولايات المتحدة في مشروعها للهيمنة بممارسة الضغوط المستمرة على الأنظمة والحكومات وبعض المنظمات المدنية المتأمركة لعرقلة حركة الصحوة والبعث الإسلامي -رسمية وشعبية- ومضايقتها وتقييدها في عقر دارها، وتجفيف ينابيع العلم والعلماء وتكميم أفواههم وأرزاقهم، وإفساح المجال للتغريب والعلمنة وصنع الأزمات، بل واستغلال الكوارث الطبيعية، من أجل التدخل ونشر الدعوة النصرانية الأمريكية الأصولية المتشددة، وزرع جيوب اصطناعية من معتنقي المسيحية الجدد للدفاع عنهم كأقليات مضطهدة وتوزيع النقط الحسنة والسيئة على البلدان في تقريرها السنوي عن الحرية الدينية.

في مقابلة ذات صلة بملف التنصير المشتعل ببلادنا، سئل فضيلة الدكتور رضوان بنشقرون رئيس المجلس العلمي المحلي للدار البيضاء من لدن الأسبوعية المغربية"لاغازيت دوماروك"عن هذه القضية فأحسن الجواب عندما ذكر أن من أسباب الانتقال من الإسلام إلى المسيحية في العالم الإسلامي عامة والمغرب خاصة، حالة التجاهل والجمود في تجديد الإيمان وتقديم العقيدة للناس في حلة معاصرة، إلى جانب الفقر والحاجة. (العدد417- بتاريخ الاثنين 25 أبريل 2005-الصفحة 9) .

وذلك يعني أن ما سماه الفقهاء قديما ب"الردة"لا يحتاج إلى حكم فقهي حالي، بل يحتاج إلى دراسة أسبابه ودوافعه القريبة والبعيدة والبسيطة والمركبة، مع استصحاب رؤية قرآنية دقيقة لقيمة حرية الاعتقاد والتدين . فغالبية المسلمين اليوم يعانون من العلمنة والتغريب والتفسيخ بإكراه سياسي وعسكري وإعلامي قادم من القوى الغربية المتنفذة ، وليس من الغرب كله ، مما يجعل المسلمين أول من يعاني من الاضطهاد الديني والحرمان من الحرية الدينية في ديارهم وبحراسة أجنبية . ويكفي استقراء أحوال الحركات الإسلامية الدعوية - بل ودول وحكومات إسلامية - وأشكال التقييد الذي تعاني منه ، مما يجعل المواطن العادي يقارن ذلك بالحرية التي يتمتع بها التنصير .

والمغرب يقع اليوم تحت ضغط إنجيلي أمريكي تجاوز الخطوط الحمراء، ويريد أن يعلن عن نفسه في العاصمة التاريخية مراكش الحمراء، ولا شك في أن الشعب المغربي يرفض مثل هذا الابتزاز والضغط، وينتظر من حكومته أن تفعل شيئا ملموسا للحفاظ على"الأمن الروحي"والسكينة الإيمانية والاجتماعية والنفسية والفكرية للمغاربة، بل وتنشيط هذا الأمن والإيمان في وسائل التربية والتثقيف والإعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت