فهرس الكتاب

الصفحة 25098 من 27364

الحصانة الشرعية ودورها في تشكيل الشَّخصيَّة الإسلاميَّة

كتبه

خباب بن مروان الحمد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد، وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

أمَّا بعد:

يعيش المسلمون في زمن انفتحت فيه الدنيا على مصراعيها ؛ فقد تعدَّت مقولة العيش في قرية واحدة مرحلتها ، وصرنا في حقيقة الأمر نعيش في عالم يجتمع في غرفة واحدة ، فالقنوات الفضائية دخلت البيوت ، والمواقع الإلكترونية استقطبتها أروقة الدور والعمل ، فصار المرء يتلقَّى آراء عديدة، وتوجهات متغايرة، تجعله يتابعها وهو في غرفته ليل نهار.

وفي خِضَمِّ هذه التحديات ، والاختلافات البينيَّة يجدر بالمرء الذي منَّ الله عليه بالإسلام ، أن تكون لديه رؤية ناضجة في كيفية التعامل مع هذه التحديات ، فإنَّ فيها الحق والباطل ، ومواجهتنا لهذه التحديات الثقافية تتطلَّبُ منَّا قوَّة عقدية، وركائز ثابتة، تأخذنا لبرِّ الأمان ، وشاطئ النجاة.

وليس من شكٍّ أنَّ الله ـ تعالى ـ قد منَّ علينا بنعمة عظيمة ، وهي:نعمة العقل ، والتي يُعرف من خلالها ـ في كثير من المسائل ـ الخير من الشر، والهدى من الضلالة ، والصواب من الخطأ ، بيد أنَّ الإنسان إذا استقلَّ بها وأعرض عن الوحي ، فسيرتكب ما تهواه النفس، ولذا نزلت الشريعة الإلهية على عباد اللَّه ، لتميِّز للناس ما يفيدهم ويضبط عقولهم ، فتتوازن الحياة ، وتنضبط المسيرة.

والعقل على شرف منزلته ، لن يستقلَّ بالهداية إلاَّ باتِّباعه لشريعة الإسلام ، وشريعة الإسلام لن تتبين مراداتها إلّا بواسطة العقل ، فكلا الأمرين يحتاج أحدهما الآخر، ولن يعارض العقل الصحيح النقل الصريح أبداً كما بيَّنه علماء الإسلام.

فصل

التعريف بـ: (الحصانة الشرعية) :وأهميَّة هذا الموضوع

من أهمِّ القضايا العلميَّة في دين الإسلام معرفة حقائق الأشياء وتعريفاتها ؛ لتكون الصورة واضحة في الذهن ، جليَّة في الفكر (إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة) كما قال الإمام ابن تيميَّة"الفتاوى10/368".

ومن خلال تأمُّل فكري لاستخراج تعريف لهذا المفهوم: (الحصانة الشرعية) وتبيين المقصود منه ، أرى أنَّه: (البناء العقدي المتين من خلال الفهم الناضج لمنهاج الله كتاباً وسنَّة ، ووقاية الفكر والعقل عن كلِّ ما يخلُّ بهما من الآراء الفاسدة ، المخالفة لمنهج أهل السنَّة والجماعة في التلقي والاستدلال) .

فالحصانة الشرعيَّة مشابهة لجهاز مناعة واقٍ من أن يتسرَّب إليه شيء من الخلل والعطب ، فيفسده ويخلُّ به. وهكذا المسلم ، فإنَّه محتاج لما يحوط عقيدته ويرعاها حقَّ رعايتها من أن تتلقَّى شيئاً من شبه أهل الضلال ، فيقع في قلبه شيء من الانخداع بها ، فيزيغ قلبه ـ عياذاً بالله من ذلك ـ فيهلك مع الهالكين.

*تتجلَّى أهميَّة الموضوع ـ فيما أرى ـ بأنَّه منذ خروج المرء من بطن أمِّه ، فليس في ذهنه رصيد معرفي، ولا خبرة عملية ، كما قال الله ـ تعالى ـ: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلَّكم تشكرون) (النحل78) فالمرء المسلم ما دام أنَّه سيبدأ بالتلقي والاتصال مع بني الإنسان ، فسيجد اختلافات في الآراء ، وتباينات في المناهج، وكلٌّ يدَّعي الحق والصواب، فما موقفه إذن من هذه التضاربات الفكرية ؟وكيف يستطيع أن يميِّز بين الصواب والخطأ ؟ هناك خطوات لتحقيق ذلك ، وستَتَجلَّى في هذه الدراسة ـ بإذن الله ـ.

فصل

ضرورة تلقي العلم من منابعه الأصيلة

ليس من شك في أنَّ الإنسان المسلم إذا لم يتلقَّ العلم من منابعه الأصيلة ، وروافده الصحيحة ، أخذاً من الكتاب والسنة على هدي السلف الصالح ، فإنَّه سيخبط خبط عشواء ويتلقَّى العلم من جهات لا يعلم توجُّهاتها العقدية، ولا أصولها الشرعية ، ويقع في عدة مزالق يتباين حجم خطئها وضلالها ، ولهذا كان علماؤنا السابقون يوصون بتلقي العلم ممَّن صدقوا الله في تعلمهم وتعليمهم ، ولاحت قوة حججهم أمام خصومهم، وفي المقابل يحذِّرون طلابهم من أهل الزيغ والهوى ، لئلا يقعوا فيما وقع فيه أولئك المبتدعة ، فكان الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ـ رضي اللَّه عنه ـ يقول: (لا يزال النَّاس بخير ما أخذوا العلم عن الأكابر ، وعن أمنائهم وعلمائهم؛ فإذا أخذوا من صغارهم وشرارهم هلكوا . قال ابن المبارك ـ رحمه اللَّه ـ في تفسير(( الأصاغر ) ): (يعني أهل البدع) (أخرجه ابن المبارك في الزهد:صـ815 ، و عبدالرزاق في المصنَّف(20446و20483،بسند صحيح) .

وهذا الإمام عبدالله بن المبارك ـ رحمه الله ـ يوصي طالب العلم قائلاً له:

أيها الطالب علماً ائت حمَّاد بن زيد

فاكتسب علماً وحلماً ثمَّ قيِّده بقيد

ودع الفتنة من آثار عمرو بن عبيد

(ديوان ابن المبارك للدكتور:مجاهد مصطفى:صـ45، وانظر البداية والنهاية:10/79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت