فهرس الكتاب
وممَّن نبَّه على ذلك الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ حيث ألمح للمسلم الذي يريد أن يكون ذا عقليَّة واعية بأنَّه لا بد أن يعمل على حصانة عقليته من الانحرافات الفكرية ، وخصوصاً إن كان في منطقة يكثر بها أهل البدع والهوى ، فقال: (فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغي أن يصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق ؛ فإنه لو أُلقي إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك ، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجراً وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا) إحياء علوم الدين للغزالي: (1/29)
وحين يفتش المراقب ضلال من ضلَّ وحادَ عن طريق الهدى وعلائم الحق ، فسيجد أنَّ من أسباب ذلك ضعف الحصانة الشرعية ، ممَّا يؤدِّي لولوج المشتبهات في فكره وعقله ، وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن بطَّة العكبري فقال:(اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواماً من السنة والجماعة واضطرهم إلى البدعة والشناعة ، وفتح باب البلية على أفئدتهم وحجب نور الحق عن بصيرتهم فوجدت ذلك من وجهين:
أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا ينبغي ، ولا يضر العاقل جهله ، ولا ينفع المؤمن فهمه.
والآخر: مجالسة من لاتؤمن فتنته ، وتفسد القلوب صحبته)"الإبانة:1/390".
وقد يتساءل بعض المستشكلين عن علَّة الاهتمام والتَّشبُّث تجاه مصادر التلقي ؛ والسبب في ذلك ، لئلاَّ تختلط المناهج في الذهن ، وتتضارب التصورات ، فتكون النتيجة المنطبعة بعد ذلك في العقل الإسلامي منهجاً غوغائياً لا تلزمه ضوابط ، ولا تحكمه قيود .
فالمطلوب لمن أراد الهداية والتثبيت على سلَّم الشريعة ، ليدفع بها الأهواء ، ومكائد أهل الضلال ، أن يكون معتنياً بحماية عقله، بسياج الشريعة الإسلاميَّة وأصولها، والتي تكوِّن له ثوابت عقدية تحميه ـ بعون الله ـ من سريان الأفكار المضلِّلَة إلى منهجه ، من أهل الأهواء والعصرنة والعلمنة. أمَّا أن يظنَّ العبد بنفسه حين قرأ شيئاً في عقيدة أهل السنة والجماعة أنَّه صار مدركاً لها بالكليَّة ، أو مفكِّراً ألمعياً ، ثمَّ يطالع كتب أولي الأهواء والبدع، ويشاهد بعض البرامج الدينية أو الفكرية في بعض القنوات الفضائية ، بحجَّة الاستنارة وعدم التعصُّب الفكري، أو بغية العثور على فكرة ضالة ، فيبدأ مشاهداً ومطالعاً متوجساً من كلام المتحدث ، وما أن تمضي عدَّة شهور أو سنوات ، حتَّى يدمن ذاك الذي ظنَّ أنَّه قد أحاط علماً بأصول الإسلام ، على مشاهدة الفضائيات وملاحقة الصحف والمنتديات الثقافية ، فتبدأ الشبهات تقع في ذهنه ، لقلَّة علمه ، بل قد يأتي بعضهم لأهل العلم في مجالس خاصة أو عامة ، يحدثونهم سراً أو علانية ، بأنَّ في ذلك البرنامج الفلاني ، أو الصحيفة الفلانيَّة، ذكر الكاتب كذا ، وأقام الأدلة على حديثه ، فهل كلامه صواب ؟ وكيف نرد عليه؟! والحقُّ أنَّ هؤلاء أحسنهم ، وإلاَّ فقد ينخدع هؤلاء ببعض أهل الهوى ممَّن أوتوا فصاحة وبياناً بل علماً ، فتختلط المعايير لديهم، ويضطربون فكرياً، ثمَّ يلتفتون مرَّة أخرى إلى منهجهم الذي ساروا عليه سنوات فيدَّعون أهمِّية نقضه ونسفه ، ومعاودة النظر في كلام علمائه بحجَّة أنَّهم رجال وعلماء السلف رجال؛ لأنَّه لم يقم على الأصول العلمية الصحيحة!! وصدق عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ حين قال: (من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل) (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة/صـ115) .
فصل
الحذر من مخالفة منهج أهل السنَّة والجماعة
من يتابع مسيرة سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ يجدهم يتحاشون الاستماع لأهل البدع والهوى ، أو محادثتهم ، أو مجالستهم ، وفي هذا يقول سفيان الثوري:(من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة ، وهو يعلم ، خرج من عصمة الله ، ووكل إلى نفسه ، وقال كذلك:من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه ، لا يلقها في قلوبهم .
علَّق الإمام الذهبي على مقولة الإمام سفيان الثوري بقوله:أكثر الأئمة على هذا التحذير يرون أن القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة )"السير7/261"، وقد أحسن من قال:
لا تستمع إلاَّ لقول صادق يغنيك عن خطل من الأقوال
فالأذن نافذة العلوم وخيرها أذنٌ وعت ذكراً تلاه التالي
بل إننا نجد أنَّ من منهج أهل العلم الراسخين تجاه المدارس الضالَّة ؛ التحذير منها ، بله محاولة انتزاعها من أيدي أصحابها، لئلاَّ تفسد عقول الناس بتلك الأفكار المضلِّلة ، ويذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ شيئاً من هذا قائلاً: (وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي ، وقال: أخذُها منهُ أفضلُ من أخذِ عكا ـ وقد كانت بأيدي الصليبيين ـ مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحراً في الفنون الكلامية ، والفلسفية منه ، وكان من أحسنهم إسلاما، وأمثلهم اعتقاداً) "مجموع الفتاوى 18/53"
وقد يقول قائل: أليس ذلك مصادرة للرأي ، وحجراً على الأفكار ؟