فهرس الكتاب

الصفحة 21171 من 27364

زعموا أن السلف عملاء للسلاطين ، وهذا بهتان عظيم ، فأهل السنة نصحة ، يقومون بما أوجبه الله ورسوله من السمع والطاعة بالمعروف ، النصيحة لمن ولاه الله أمر المسلمين ، براً كان أو فاجراً .

فالسلف الصالح يسيرون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذون بهديه وأمره ، ووصيته في كل أمر ، ومن ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم وأمره بالسمع والطاعة بالمعروف والنصيحة لمن ولاه الله أمر المسلمين وإن كان فاسقاً أو ظالماً ، وأمره بالصبر على ما يحدث من الولاة المسلمين من الجور والظلم والأثرة مع أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالحكمة ، وكراهيته ما يصدر عن بعضهم من المظالم والمنكرات ، ومناصحة ولاة أمور المسلمين عند السلف لا تعني مداهنتهم ولا الرضى بتجاوزاتهم كما يظن أهل الأهواء .

وهذا أمر مستفيض ثابت بأحاديث صحيحة ، في الصحيحين وغيرهما ، وهو منهج السلف الصالح .

وقد ضاق أهل الأهواء والبدع والافتراق - بهذا الأصل الشرعي - ذرعاً ، ولذلك كانوا ولا يزالون يتهمون السلف بالعمالة للسلاطين والمداهنة وتبرير أخطاء الحكام ، أو الجبن والقعود ، وهذا من البهتان والجهل ، واستحكام الهوى ، وتحكيم العواطف والأمزجة في دين الله وذلك أن:

من أصول أهل الأهواء الخروج واستحلال السيف ، أي الخروج على الجماعة ، وعلى الولاة المسلمين بالسيف واستحلال ذلك إما أن يكون بالفعل والاعتقاد كما عند الخوارج ومن سلك سبيلهم ، أو بالاعتقاد كما عند الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم .

حيث يعتقدون استباحة الخروج ، لكنهم قد لا يتمكنون منه ؛ إما بسبب الخوف أو لعدم القدرة على الخروج أو لانتظار رجل موهوم كما يعتقد الرافضة فهؤلاء وأمثالهم لما استحلوا البدعة ، تنكروا للسنة .

قال أبو قلابة: ( ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف ) 103 ، وذلك لأنهم رأوا وزعموا أن التزام السنة من المنكر الذي يجب عليهم الخروج عليه .

لذلك كان بعض السلف يسمي كل أصحاب الأهواء: خوارج ، أي أن سمتهم الخروج فكان ( أيوب السختياني ) يسمي أصحاب الأهواء خوارج ، ويقول: ( إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف ) 104.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة ، وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة ، وأما أهل الأهواء ، كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم ، ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة: التوحيد ... ) إلى قوله: ( والأمر بالمعروف والني عن المنكر ، الذي منه قتال الأئمة ) 105.

منهج السلف: أن الخروج على الأئمة فتنة ، لذلك كرهوا القتال في الفتنة مطلقاً ونهوا عنه أشد النهي ، أما أهل الأهواء فإنهم يسمون الخروج والقتال في الفتنة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا من التلبيس والجهل .

قال شيخ الإسلام: ( فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزماً من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعاً ، وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فساداً مما ترك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لم يُدفع أدنى الفسادين بأعلاهما ، بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(( ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال إصلاح ذات البين ،فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ) ))106.

وبعض أهل الأهواء: كالخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم يكفرون الولاة بالمعصية ، ويستحلون قتالهم ، قال شيخ الإسلام: وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } (النساء:65) ، فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة ، وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله ، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله ، وقد حكم الله ، وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا 107.

حتى صار من أبرز سمات أهل الأهواء ترك الصلاة خلف الفاسق والمفضول ، فإن غالب أهل الأهواء لا يجيزون الصلاة خلف الفاسق ، وهو مذهب الخوارج والزيدية والرافضة وجمهور المعتزلة .108

دعوى أن السلف يضعّفون الثقات من مخالفيهم

زعموا أن الحنابلة ويقصدون بهم أهل السنة ( السلف الصالح أهل الحديث ) : يضعفون ثقات المخالفين لهم ويوثقون ضعفاء الموافقين لهم .

وهذه فرية كبرى وجهل فاضح ، فإن موازين الجرح والتعديل عند أئمة الحديث ، تقوم على موازين وضوابط ومقاييس علمية وشرعية وعقلية ، تقوم على العدل والتثبت والعلم ، وكانوا يعّدون الإسناد من الدين .

ومن موازين الجرح والتعديل التي ضاق بها أهل الأهواء - قديماً وحديثاً - رد رواية المبتدع الداعي إلى بدعته عند أكثر أهل العلم ، وذلك أمر تقتضيه قواعد الشرع وموازين العلم .

فالبدعة ضلالة ، والمبتدع متهم في الدين من هذا الوجه وإذا دعا إلى بدعته فهو قد أصر على الضلالة ، فكيف تقبل روايته إذا كان كذلك .

كما أن أهل الحديث والسلف الصالح يردون رواية كل من لم تتوافر فيه شروط الرواية وإن انتسب للسنة وأهلها وإن كان من الصالحين والعُبَّاد .

وقد رد أهل الحديث رواية كثيرين من أهل السنة كما هو معلوم مستفيض ، ويقبلون رواية الثقة ؛ وإن كان ممن لهم زلات لا تطعن في ذمته ودينه ؛ولذلك كان بعض أهل الحديث يقبلون رواية المبتدعة غير الداعي إلى بدعته إذا كان ثقة عندهم .

وآخرون يرون البدعة بحد ذاتها جارحة ومؤثرة في العدالة .

وقد شهد عقلاء العالم - قديماً وحديثاً - أن موازين الجرح والتعديل والقواعد التي وضعها السلف أهل الحديث لضبط الأسانيد والمتون وأحوال الرجال ، هي أدق موازين ومقاييس في تقويم الرواية والدراية عرفتها البشرية إلى اليوم .

وذلك تحقيق لوعد الله تعالى بحفظ هذا الدين ، ومن مقتضيات انقطاع الوحي وختم الرسالة .

دعوى تعصب أهل السنة لمذهبهم ولعلمائهم وغلوهم فيهم

المستفيض عن أهل السنة ، أئمتهم وأتباعهم ، مقت التعصب والغلو أياً كان ، ولذلك قد يصفعهم أهل الأهواء الذين يغلون في الرجال بأنهم ( جفاة ) .

كما أن أهل السنة يثنون على علمائهم ويقتدون بهم بحق ، كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس هذا غلواً .

أمَّا ما يحدث من بعض علماء السنة وبعض طلاب العلم فيهم أو عوامهم من غلو أو عصبية قد تخرج عن الحد الشرعي ، فهو من الأخطاء الفردية ، فيجب أن لا تحسب هذه الأخطاء على المنهج نفسه ، أو على أهله بجملتهم ، إنما تقاس الأمور بالمناهج والقواعد والأصول ، وما عليه أهل العلم والاستقامة والقدوة في الجملة ، وترد إلى أدلة الكتاب والسنة .

كما أن غلو بعض المنتسبين للسنة في علمائهم جهلاً أو إفراطاً ، فإنه إن حصل فهو لا يصل إلى العبادة و التقديس واعتقاد العصمة ، كما عند غيرهم ، فهو - أعني الغلو والتقديس - عند غيرهم هو الأصل .

كما أن هذا - أعني الغلو والتقديس - نادرٌ جداً ليس عليه إلا الشاذ ، وهو مردود أيضاً لا يقر عند جمهور أهل السنة فلا يحسب على النهج والعموم .

كما أن هذا لم يحدث من العلماء القدوة والأئمة الكبار - بحمد الله - إلا في زلات نادرة ، أو تعبيرات شاذة - ومع ذلك - فإن أهل السنة إذا حدث هذا ممن ينتسبون إلى السنة أو غيرهم ، أنكروه ولم يقروه ، كما فعل الشيخ بكر أبو زيد في المناهي اللفظية ص ( 488 ،489 ) حيث أنكر بعض العبارات التي أطلقها البعض في حق بعض أئمة السلف .

أما أهل الأهواء- نظراً لأنهم مفرَّطون في اتباع السنة- فمن الطبعي أن يصفوا التمسك بالسنة غلوّاً وتعصباً وتحجراً ونحوه ذلك

** وزعموا أن أهل السنة يشهدون لمن يوافقهم بالعدالة ويجرحون من يخالفهم .

وهذه فرية وجهل كبير ، فإن أهل السنة اعتمدوا للجرح والتعديل قواعد شرعية دقيقة ، ومقاييس علمية منضبطة حفظ الله بها السنة إلى قيام الساعة .

وميزان الجرح والتعديل لدى أهل الحديث ، أهل السنة يقوم على العدل وعلى الموازين الشرعية .

ورد رجال الحديث للرواة الذين ينتسبون لأهل البدع والأهواء إنما كان لحماية السنة من الأهواء ، لا لمجرد كونهم من المخالفين ، ولا لمجرد الانتماء ، مع العلم أن الانتماء لغير السنة أمر قادح ، ومع ذلك لا يردون رواية المبتدعة مطلقاً ؛ إنما يردون رواية المبتدع الداعي إلى بدعته ، أو إذا كانت الرواية تنصر بدعته وتوافق ما يذهب إليه .

تعيير السلف بما يمدحون به

وقالوا عن السلف بأنهم: ( عثمانية ) لأن أهل الأهواء يقدحون في عثمان - رضي الله عنه - ويرون من لم يقدح فيه فهو ( عثماني ) وهذا حق أريد به باطل .

وقالوا عن السلف بأنهم: ( حنابلة) و ( بربهارية ) و (وهابية ) لأن كلاً من الإمام أحمد بن حنبل ، والإمام البربهاوي والإمام محمد بن عبد الوهاب من أئمة السنة وعلماء السلف الصالح الذين نصروا السنة وأنكروا البدع وحذروا الأمة منها ومن أهلها .

وهذه - بحمد الله - تزكية حيث نسبوا السلف إلى هؤلاء الأئمة العدول الثقات الصالحين .

أهل السنة لا يكفرون المسلم إلا بدليل

أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم , ولا يخرجونه من الملة إلا بدليل , وتتخلص قواعد التكفير عندهم فيما يلي:

1.... من حكم الله بكفره (وهو الكافر الأصلي) فإن تكفيره من المعلوم من الدين بالضرورة , كأهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمجوس والصائبة والمشركين والملاحدة , وكل من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهؤلاء كلهم ومن في حكمهم كفار قطعاً .

2.... من حكم بإسلامه , هو المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، لا يخرج من الإسلام ، إلا بموجب يقوم عليه الدليل ، ويحكم به أهل الاجتهاد من العلماء الذين يفقهون شروط وموانعه الشرعية .

3.... ليس كل من قال كفراً أو فَعَلهُ كفر إذا كان مثله يجهل ولم يكن ذلك من الأمور المعلومه .. من الدين بالضرورة ؛ حتى تتوافر الشروط وتنتفي الموانع في حق المعين من الأشخاص أو غير المعين من الفرق والجماعات ونحوها .

4.... أن الكفر أنواع وشعب ، كما أن الإيمان شعب وأنواع ، فليس كل كفر يوجب الخروج من الملة .

فالسلف الصالح أهل السنة والجماعة ، لا يكفرون إلا بأدلة وبينات ، وما زعمه بعض المفتونين ، وأهل الأهواء - قديماً وحديثاً - من أن أهل السنة والجماعة - وقد يسمونهم ( الحنابلة ) - من أخطائهم ... وفي كتبهم: ( التكفير والتبديع وتوابعها من التضليل والتفسيق والشتم واللعن والبذاءة ) 109.

فهو من الجهل والتحامل إذ أن ما اشتملت عليه كتب السلف من ذلك إنما هو تقرير للحق ، فإن هذه الأوصاف جاء بها الشرع ، ويستحقها من فعل موجبها ، أو قاله بالشروط والضوابط الشرعية التي يعرفها أهل العلم ، أما ما ادعاه هؤلاء المفتونون من كتب السلف اشتملت على هذه الأحكام بغير حق ، أو أن ذلك عدوان وظلم للآخرين .

فإن هذا محض افتراء ، ليس له من المستمسك إلا اتباع المتشابه من الأقوال والمواقف ، وقد لبَّس بعض أهل الأهواء على الناس وافترى على أهل السنة ، فزعم أنهم يكفِّرون خصومهم ، من الجهمية والشيعة والمعتزلة والقدرية والمرجئة ونحوهم .

وهذا كذب وافتراء فإن أهل السنة لم يكفروا هذه الفرق بإطلاق ، لكنهم كفروا من قام الدليل على كفرهم من غلاة هذه الفرق ، كالجهمية ، والإمامية وهم من غلاة الشيعة وغلاة القدرية ، وغلاة المرجئة .

وكذلك التبديع والتضليل والتفسيق إنما يطلقه علماء السلف على من يستحقه شرعاً ، وهذا عمل بشرع الله وقيام بما أوجبه الله قال سبحانه: { أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } (القلم:35-36) وقال سبحانه: { أ َفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ } (السجدة:18) .

كما زعموا: أن أئمة السنة مثل: البربهاري وابن تيمية وابن القيم وهم من أئمة السنة وأعلامها يكفرون المخالفين لهم ويكفرون بعض المسلمين ، هذا تحامل ظاهر ، فإن هؤلاء العلماء إنما حكموا بما قام به الدليل على أنه كفر من المقالات والاعتقادات والأقوال والأعمال ، ولم يتعرضوا لتكفير المعيَّن إلا نادراً ، وباجتهاد سائغ شرعاً على مقتضى الدليل ، وهذا هو المنهج الحق .

وقد يحدث من بعض المنتسبين للسنة والجماعة ، من العامة أو طلاب العلم أو العلماء تكفير أو تفسيق أو سب على غير الوجه الشرعي ، وقد يكون من بعض أفرادهم ظلم أو عدوان ، أو هوى هو فيه مخطئ ، أو يكون ذلك من أحدهم عن اجتهاد خاطئ ، وزلة غير مقصودة . ونحو ذلك مما يعتري سائر البشر ، نعم قد يحدث مثل هذه الزلات من بعض أفراد السلف أهل السنة والجماعة - وهو نادر جداً بحمد الله - وليس هو المنهج الذي يدينون به ويعتقدونه وليس ذلك من هديهم ولا خلقهم ، ولا يقرونه ، كما هو مستفيض في كتبهم وسيرهم ، فهم خيار الناس وعدولهم لكن ليس لأفرادهم عصمة ، والميزان فيما يصدر عن أفرادهم الكتاب والسنة ، فهذا مشربهم ، فما وافق الدليل أقروه وإن كان صادراً عن غيرهم ، وما خالف الكتاب والسنة ضربوا به عرض الحائط وإن قال به أو فعله أحدهم ، كما صرح بذلك كبار أئمة السلف ، وعليه العمل - بحمد الله - ومن تجاوز الحق فقد أخطأ كائناً من كان .

وقد يطلق بعض السلف على بعض المقالات أنها كفرٌ أو الفرق أنها كفرت ، أو أكفر من اليهود والنصارى والمشركين ونحو ذلك ، وهذا إما يقصد به الحكم من بعض الوجوه ، كأن يقال فيمن سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - من الإمامية ونحوهم - هذا أشد أو أكفر من اليهود ، ويقصد من هذا الوجه ، لأن اليهود لم يسبوا أصحاب موسى ، وهؤلاء الإمامية سبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أو يقصد بذلك الوعيد والتنفير من المقالات الفاسدة ، وقد يكون ذلك من الخطأ والزلة التي لا يُقر قائلها ، لكنها لا تحسب على السلف ولا على منهجهم فهو الأسلم والأعلم والأحكم .

وزعموا أن من أخطاء السلف الاستعداء على الخصوم وإرهاب المخالفين والانتقام ونحو ذلك ، وهذا من تلبيس أهل الأهواء ، فإن السلف كانوا - ولا يزالون بحمد الله - قائمين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله تعالى ، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم بالتحذير ، من البدع والأهواء وأهلها ، والاحتساب على أهل البدع ، ويدخل في ذلك تحذير شباب الأمة وعامتهم وولاتهم من البدع وأهلها .

بل ويدخل في أداء هذا الواجب السعي إلى تعزير دعاة البدع والأهواء والفساد ومروجيها ،والطاعنين في السنة وأهلها: لأنهم خراب السفينة .

وقيام السلف بهذا الواجب يسميه أهل الأهواء: ( استعداء ) وتضييقاً وحجراً ، وإرهاباً للمخالف .

وهو حق وبحق ؛ حيث كان فعل السلف هذا تجاه أهل الأهواء استعداء مشروعاً ضد الباطل ، وتضييقاً وحجراً للباطل وأهله ، وجهاداً مشروعاً لا إرهاباً ، وما يحدث في نفوس أهل الأهواء من الذل والخوف والرعب من السنة وأهلها ، ليس من صنع السلف ، لكنه بما وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين من النصر بالرعب ، وتخويف أعداء الله ورسوله ، ويدخل في ذلك زعم أهل الأهواء بأن السلف يفتون بقتل المخالف ، وهذا فيه حق وباطل .

وجه الحق فيه أن السلف يجتهدون ويحتسبون علي المخالفين للحق والسنة على حسب أدلة الشرع وقواعد الدين ، فإذا رأوا صاحب بدعة مكفرة داعياً إلى بدعته يحارب السنة ويفرق الأمة بذلك ، أقاموا عليه الحجة وبينوا له وجه الحق بالدليل ، واستتابوه فإن انصاع للحق وكفّ عن الدعوة إلى ضلالته ، وتوقف عن نشر الفساد ، فهذا ما يسعون إليه ، وإن لم يفعل حكموا شرعاً بكف شره عن المسلمين بأدنى ما يندفع به شره من الجلد أو الحبس أو النفي ونحو ذلك ، فإن لم ينكف شره وفساده إلا بالقتل فهذا حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيه .

كما فعل الصحابة مع الخوارج حين قاتلوهم ، ومع غلاة الشيعة الزنادقة ( حين حرّقهم علي - رضي الله عنه - ) .

وكما فعل الصحابة قبل ذلك مع مانعي الزكاة ، وكما فعل أئمة الإسلام من التابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم ، مع الجعد بن درهم ، وغيلان الدمشقي ، والجهم بن صفوان ، وبيان بن سمعان وأبي منصور العجلي والمغيرة بن سعيد ، والحلاج ، وبشار بن برد ، والشلمغاني ، وصالح بن عبد القدوس والسهروردي المقتول .

وأضرابهم من رؤوس الضلالة ورموز البدع والأهواء الذين يتباكى عليهم أخلافهم اليوم ، ويزعمون أن إعلان حكم الشرع فيه ظلمٌ وحجرٌ واستعداءٌ ونحو ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت