أول امرأة ترأس أكبر دولة إسلامية:
مضت أسابيع على ذلك الحدث المهم في جاكرتا، والكل ما يزال يعيش فترة ترقب في انتظار ما ستفعله الرئيسة الجديدة من تنفيذ للوعود الوردية التي سمعوها.. ففي يوم 23يوليو الماضي وصل مجلس الشعب الاستشاري الإندونيسي إلى القرار المنتظر بعزل الرئيس عبد الرحمن وحيد، وبعد 20 دقيقة تم تنصيب"دايا برماتا ميجاواتي سيتاواتي سوكارنو بوتري" (54 عاما) نائبة الرئيس ورئيسة حزب النضال من أجل الديمقراطية رئيسة خامسة للبلاد.
رحل وحيد عن الحكم متلقياً النقد واللوم من كل جانب على فشله في أداء مهمته كأول رئيس منتخب ديمقراطياً بعد حكم ديكتاتوري دام 3 عقود، وبعد أزمة حطمت الكثير مما تم بناؤه اقتصادياً.. وتسلمت نائبته ميجاواتي القيادة رئيسة لأكبر أرخبيل في العالم يضم 17500 جزيرة و 300 جماعة عرقية وإثنية و203 ملايين نسمة تجعله الرابع سكاناً في العالم، والأول في العالم الإسلامي (90 % من السكان مسلمون ) ، أرخبيل شاسع المساحة يحتضن جنوب شرق آسيا من الجنوب حتى إن 40 % من الحركة التجارية العالمية تمر بمياهها أو بالقرب منها!.
وبعد أن ظلت الجماهير تسمع أحسن الأوصاف عن الزعيمة الرمز من أبواق صانعي شخصيتها جاء الدور على ميجاواتي لتحدد أي أسلوب من القيادة ستقود به البلاد؟ وهل ستكون أفضل من سابقها أم أنها ستفشل في إيقاف مسيرة أمة إلى المجهول؟.
هناك من يتعجل الإجابة فيقول: نعم، مؤيداً قوله بما استطاعت ميجاواتي تحقيقه إذ أصبح حزبها الأكبر في البلاد، ولكن هناك أيضاً من يقول إنها لن تكون أفضل من وحيد بكثير أو إنها قد تكون أفضل منه نسبياً لكنها لن تستطيع مواجهة مشكلات البلاد، وهناك الكثير من المؤشرات والأدلة على ذلك، فحزبها لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه ( 153 مقعداً من مجموع 500) لولا وجود لوبيات مالية ودعم خارجي وشراء واسع للأصوات ثم إن الكثيرين يقرون بأنها تفتقر إلى المهارات القيادية التي يحتاجها من يقود بلداً كبيراً يعيش وضعاً غير طبيعي.
لماذا ترأست ؟
لا يزال البعض يبحث الأسباب التي دفعت بميجاواتي إلى الرئاسة..ولابد أن هناك العديد من الأسباب، فيما يلي 9 منها، بعضها تراكم على مدى سنوات والآخر ظهر في الفترة الأخيرة لوحيد:
أولاً: الوراثة السياسية: وهذا أول عامل، فبعد 15 عاماً من الخروج من عزلتها كأخويها وأختيها ودخولها العمل السياسي دعيت ميجاواتي لتقود الحزب الديمقراطي لأنها قبلت أن تحمل اسم أبيها، أول رئيس للبلاد، أمام الجماهير التي كانت مكتومة الأنفاس بحكم سوهارتو المتفرد، وهكذا عرفت طوال عملها السياسي كابنة لسوكارنو الرئيس الأول للبلاد!. ساهم في ذلك مجتمع جزيرة جاوة الأبرز في تأثيره السياسي والذي لايزال متأثراً بالكثير مما هو ريفي وتقليدي، كما أن النظام التعليمي لم ينجح في توسيع تصورات وأفكار الأجيال الجديدة بشكل كبير، ولذلك فإن التأييد الذي كسبته ميجاواتي كما كسبه قبل ذلك الرئيس المعزول وحيد ينبع من العادات التي تحترم العائلات المشهورة، أما الأحزاب الإصلاحية الجديدة فهي تحظى بتأييد المثقفين والطلبة في المدن الذين يفكرون بطريقة مختلفة وقد خففوا من معتقداتهم الجاوية القديمة.
ولايُتوقع أن يبقى الحال كما هو في العقدين المقبلين، إذ سيكون للأحزاب"الشابة"الجديدة مستقبل سياسي أفضل، وهذا ما يفسر تفضيل المثقفين الإسلاميين والوطنيين لشخصية مثل"أمين رئيس"رئيس مجلس الشعب الذي كان أبرز من أسهموا في إسقاط سوهارتو لكنه لم يكسب تأييد قسم كبير من الجماهير الريفية، رغم دوره ورغم أنه ناشط سياسي إسلامي ورئيس سابق لجمعية المحمدية الأبرز في مناطق الحضر.
كان سوهارتو وتنميته الصناعية غير المتسقة في جوانبها قد ساهما في تحطيم الكثير من الروابط القديمة وحلت محلها روابط اقتصادية ومادية بديلة ما بين السبعينيات إلى عام 1997م، وعندما تحطمت أو ضعفت هذه الروابط الجديدة بفعل الأزمة المالية الآسيوية وزال الاستقرار الاجتماعي من حياة الكثيرين عاد قسم من الناس ليجتمعوا حول شيء من الأمل فنظر محبو نهضة العلماء إلى الرئيس وحيد ونظر من لديهم شيء من الشعور القومي إلى ابنة سوكارنو..
وقد اعتمد صانعو شخصية ميجاواتي على إحياء شعارات وذكرى إرث والدها على الرغم من أنه ترك البلاد في وضع سيئ اقتصادياً، لكنهم ركزوا على الجانب الإيجابي الأول في حياته كزعيم للوحدة الإندونيسية.