فهرس الكتاب

الصفحة 18354 من 27364

التحاكم إلى كتاب الله:

إن من صميم الإيمان بكتاب الله، اعتقاد وجوب التحاكم إليه، وعدم جواز تحكيم غيره من قوانين البشر المخالفة له. [أما ما لم يخالف حكم الله، فالأصل فيه الإباحة] والإيمان بوجوب التحاكم إلى كتاب الله يدخل في معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، فالإله المعبود بحق هو الحاكم، ومن أجاز التحاكم إلى غير كتاب الله، فقد أخل بمعنى (لا إله إلا الله) ، وذلك من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، وينطبق هذا على جميع الكتب السماوية السابقة التي أنزلها الله على رسله قبل نزول القرآن الكريم،فقد عجب الله تعالى ممن يزعم الإيمان بما أنزل على الرسول وما أنزل من قبله، وهو يريد التحاكم إلى الطاغوت بدلا من التحاكم إلى ما أنزل الله، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} . النساء: 60،61.

ونفى سبحانه الإيمان عمن لم يحكم الرسو صلى الله عليه وسلم في القضايا التي يخاصم فيها، فقال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} النساء: 65. وقد نص الله تعالى على أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ظالم، فاسق، كما قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون-ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون-ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الفاسقون} . المائدة:44-45،47.

وقد أمر الله رسوله بأن يحكم بين الناس بما أنزل الله وحذره من اتباع أهوائهم، لما في ذلك من فتنته عن بعض ما أنزل الله عليه، وجعل الحكم بغير ما أنزل من حكم الجاهلية، فقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} . المائدة 49-50

فاعتقاد وجوب التحاكم إلى ما أنزل الله ووجوب الحكم به من صميم الإيمان، وتجويز التحاكم إلى غير ما أنزل الله مما يخالف شرع الله من صميم الكفر، ووجوب الحكم بما أنزل الله فرض، والحكم بغير ما أنزل الله في بعض الجزئيات مع اعتقاد عدم جواز ذلك من الكبائر لأنه كفر عملي، ويجب حمل كلام بعض السلف الذين قالوا: إن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، على هذا المعنى، وهو أن يحكم الحاكم الذي يؤمن بوجوب الحكم بما أنزل الله، في بعض القضايا بغير شرع الله، بسبب قرابة أو أخذ رشوة، أو ما أشبه ذلك أما من حكم بغير ما أنزل الله، ولو في قضية واحدة، معتقدا أن ذلك جائز فهو كافر كفرا أكبر مخلد في نار جهنم. [راجع الجامع لأحكام القرآن: 0 6/190) للقرطبي]

قال ابن القيم، رحمه الله: (والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد إنه غير واجب وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله [كما يفعله من يسمون بالمشرعين في هذا العصر] ، فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه، فهذا مخطئ له حكم المخطئين) [مدا رج السالكين: (1/336) ] الإيمان دروس في الإيمان- الدعوة إلى العمل بالقرآن لتكثر أنصاره (52)

إ ن المبادئ لا تثبت، ولا تبقى إلا إذا حملها رجال يفقهونها، ويحمونها، ويدعون إليها ويظهرون محاسنها، ويقيمون البرهان على أنها صالحة للتطبيق، وجرت العادة أن أصحاب كل مبدأ يرغبون في نشر مبدأهم، وتكثير سوادهم، بدعوة غيرهم إلى الإيمان بمبدئهم والعمل به، والانضمام إليهم في دعمه ونصره ولو التفت يمنة ويسرة اليوم، لوجدت هذه القاعدة مطبقة لدى أهل كل مبدأ من يهود، ونصارى، وملحدين، و هندوس، وبوذيين، وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت