فهرس الكتاب
فاليهود يدعون إلى مبادئهم التي تكثر سوادهم [اليهود ليسوا نشطين في الدعوة إلى الدخول في اليهودية، مثل النصارى، ولكنهم وضعوا لهم مبادئ وكونوا لها أحزابا تخدم مصالحهم، و تدمر مصالح الأمم والشعوب الأخرى،ويقتنصون للانضمام إلى تلك الأحزاب، كبار ساسة البلدان وأغنيائها، ويغرونهم بالشهوات: شهوات المناصب وشهوات الفسق، ويوقعونهم في حبائلهم، ويسجلونها بوثائق لا يقدرون على إنكارها، ويرهبونهم بها وبغيرها مما قد يصل إلى الاغتيال والقتل إن هم تقاعسوا عن تنفيذ أوامرهم، وهذا يفسر للمتأمل مسارعة كثير من حكام الشعوب الإسلامية وغيرها إلى موالاتهم، ومناصر تهم بالطرق المباشرة أو غير المباشرة] ، والنصارى-على اختلاف فرقهم ومذاهبهم-مجدون غاية الجد في الدعوة إلى دينهم المحرف، وبخاصة في البلدان الإسلامية التي يرغبون في تنصير أهلها أكثر من تنصير غير المسلمين حسدا منهم لهذا الدين ونكاية بأهله. والشيوعيون الملاحدة يتخذون كل الوسائل الممكنة لنشر إلحادهم-وبخاصة بين المسلمين-ولو اقتضى الأمر منهم الغزو العسكري لإجبار الشعوب وإكراهها على إعلان الإلحاد وتطبيقه في حياة الناس، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك احتلال الملحدين الروس الشعب الأفغاني بقوة الحديد والنار وتدمير البلاد والعيث فيها فسادا، وحصد مليون ونصف المليون من المسلمين، غير الجرحى والمعاقين والأرامل واليتامى والشقاق الذي خلفوه، بعد خروجهم-هذا مع مخالفة الإلحاد للفطر والعقول والأديان السماوية والأرضية. [ هذا، ومع أن دولتهم التي قامت على الإلحاد قد انهارت، وذهب بريق الإلحاد الذي كانوا يزينونه لعمي البصائر، فإنه لا يزال للإلحاد أنصاره في دوله المفككة، و بعض زعماء المسلمين في تلك البلدان لازالوا يحاربون الإسلام والمسلمين الذين يدعون إلى التمسك به] والوثنيون لا يألون جهدا في نشر وثنيتهم ومحاربة دين الإسلام، كما هو شأن الهندوس والبرماويين.
وهكذا يصنع أرباب السياسة والاقتصاد، يكرسون جهودهم لنشر مذاهبهم السياسية والاقتصادية، وتزيينها وحشد الدول والشعوب لتأييدها، يظهر ذلك في الدول الغربية-الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا،التي نادت بالحرية المطلقة أولا، ثم اضطرت لإدخال مئات القيود عليها، فهم يتخذون كافة الوسائل لنشر مبادئهم، حتى لو اقتضى الأمر التدخل في حرية الشعوب، وإجبارها على التخلي عن رغباتها وعن تطبيق دينها، واختيار حكامها، الذي هو حق لها في مبادئ أولئك المتسلطين المنادين بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وإذا لم ينجحوا في التدخل غير المباشر ولم يجد إلا استعمال القوة لم يتورعوا عن استعمالها باختلاق الحيل والذرائع الكاذبة،والأمثلة على ذلك معروفة لا تخفى على أحد [كما هو الحال في الجزائر، وغيرها] .
هذا، مع أن كل تلك المبادئ والأديان لا يوجد منها دين أو مبدأ صالح ليكون منهجا لحياة البشر، يحقق لهم السعادة في الأرض، بدليل ما تعانيه البشرية اليوم، من محن وكوارث وقلق واضطراب وحروب وظلم وعدوان، مع كثرة المؤسسات العالمية: السياسية، والثقافية والاجتماعية والعسكرية-كما هو الشأن في ما يسمى بهيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وغيرها من المؤسسات المنتشرة في الأرض-.
أضاعوني وأي فتى أضاعوا؟!
فأين أهل الدين الحق الذي أنزل الله به هذا القرآن ليكون دين العالمين كلهم: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} . الفرقان: 1.
{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . الأنبياء: 107.
إنه المنهج الحق المحفوظ الصالح لأن يكون منهجا للبشر مهما اختلفت ثقافاتهم وارتقت معارفهم، وهو وحده الذي يحقق السعادة للناس في الأرض، إن هم آمنوا به واتبعوه، ولقد قضى رسول ا صلى الله عليه وسلم عمره كله-بعد بعثته-داعيا إلى الإيمان بهذا القرآن، والعمل به، ممتثلا في ذلك أمر ربه الذي قال له: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} المائدة:67.
وقال: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} . النحل: 125.
فبلغ r بنفسه مباشرة من استطاع الوصول إليه، وبعث بالرسائل إلى ملوك العالم يدعوهم فيها إلى الله، كما بعث الدعاة إلى الأقطار يبلغون عنه رسالة الله، وتبعه على ذلك أصحابه من بعده وتابعوهم بإحسان، وكان الخلفاء الراشدون يقتدون بالرسو صلى الله عليه وسلم في تبليغ الملوك والزعماء دين الله وجاهدوا في الله حق جهاده حتى بلغ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها في برهة قصيرة من الزمن، ممتثلين في ذلك قول الحق جل جلاله: {قل هذه سبيلي أعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} . يوسف: 108.