فهرس الكتاب

الصفحة 10240 من 27364

محمد سليمان أبو رمان 24/4/1425

كانت سيطرة المحافظين الجدد على البيت الأبيض بمثابة العلامة الفارقة في التاريخ السياسي الأمريكي ، وعلى الرغم من البداية المتعثرة - نوعا ما - للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ، إلا أن أحداث أيلول جاءت لتكون الفرصة المناسبة والمحفز الاستراتيجي الذي استثمره المحافظون الجدد لتمرير مشاريعهم الأيدلوجية وإعادة تشكيل وصوغ المجال السياسي الأمريكي ، بما في ذلك السياسة الخارجية ، بما يتوافق مع هذه الرؤى والمشاريع . وقد وصل حجم التغوّل الكبير الذي مارسه القادة الجدد إلى الدرجة التي وصف فيها بعض المفكرين والكتاب الأمريكان الأمر"بأن المحافظين الجدد قد اختطفوا البيت الأبيض".

لم يعبأ هذا التيار - الذي سيطر على كثير من مراكز الدراسات والإعلام والسياسة الرئيسية في الولايات المتحدة - بكل الانتقادات وعلامات الاستفهام التي صدرت من هنا وهناك ضد تصوراتهم ورؤاهم المتطرفة ، بل تم تفسير"نزعة معاداة الأمريكية"، التي اجتاحت كثيرا من دول العالم بما فيها دول حلفاء واشنطن الأوروبية ، ومظاهر العداء الشديد ، وكل المسيرات والاحتجاجات والحركات المعارضة لسياساتهم، بأنها نتيجة مشاعر الحقد والكراهية الناشئة عن الغيرة والحسد لما وصلت إليه القوة الأمريكية ، وهذا هو شأن الإمبراطوريات الكبرى ، كما كان الأمر بالنسبة للإمبراطورية الرومانية ، وقد عبر عن هذه الرؤية بوضوح فؤاد عجمي في مقاله"زيف العداء لأمريكا في العالم"في مجلة السياسة الخارجية .

لقد كانت منطقة الشرق الأوسط من المناطق التي اندفع المحافظون الجدد لإجراء تغييرات كبيرة فيها ، وإعادة صوغ المجال الجيو - استراتيجي لها بما يخدم مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ورؤى تيار الليكود الحليف الوثيق للمحافظين الجدد . ورأى عدد كبير من السياسيين والكتاب الأمريكان أن حرب العراق هي حرب إسرائيل التي شنتها الولايات المتحدة بالوكالة عنها ، وكانت هذه الحرب - وفقا لتصورات المحافظين الجدد - بمثابة"المفتاح الذهبي"الذي سيفتح الباب لرياح التغيير المطلوبة ، ليبدأ تحرير العالم العربي - على الطريقة الأمريكية - من بغداد ! .

إلاّ أن النصر العسكري السريع والحاسم الذي حققته الآلة العسكرية الأمريكية ضد النظام العراقي السابق لم يكن سوى بداية السقوط الذريع والكبير لرؤى المحافظين الجدد ، ليكون العراق - بحق - الفخ الكبير الذي سقط فيه هذا التيار ، وأظهر عقم وهشاشة كثير من تصوراته ورؤاه الأيدلوجية ، إلى الدرجة التي بات فيها كثير من الكتاب والباحثين يتحدثون عن نهاية المحافظين الجدد في العراق .

بدأت ملامح المأزق العراقي منذ نهاية الحرب العسكرية ، وقامت الإدارة الأمريكية بتعديل مخططاتها في العراق أكثر من مرة للتعامل مع تعقيدات الوضع العراقي ، ومع المتغيرات الخطيرة هناك، وخاصة المقاومة المسلحة ، وكانت الدعاية السياسية الأمريكية تتهاوى بشكل كبير وصارخ أمام حقائق الواقع العراقي ، وتم التخلي عن كثير من الأحلام السابقة ، ثم بدأت الإدارة الأمريكية تبحث عن مخرج - من المأزق - يحفظ ماء الوجه ، حتى لو كان من خلال الأمم المتحدة أو قوات عربية بديلة ، أو أي حل يُخرج القوات الأمريكية من العراق بعد أن أصبح العراق نقطة الضعف الرئيسية للرئيس بوش وهو يخوض الانتخابات القادمة .

بيد أن فظائع سجن"أبو غريب"كانت هي الباب الذي دخلت منه الشرور على مصراعيها على القادة الأمريكان ، وأصبح العراق بمثابة الكابوس الذي يلاحق قادة البيت الأبيض في كل مكان . فمنذ انكشاف فظائع أبو غريب وهناك حالة من التهافت الكبير بادية على المحافظين الجدد وصقور الإدارة الأمريكية ، الذين بدؤوا بإلقاء اللوم على بعضهم ، وبالتنصل من المسؤوليات عن كثير من السياسات في العراق ، وكشفت أحداث أبو غريب عن وجود تيار أمريكي عريض يعارض رؤى المحافظين الجدد ويرفض كثيرا من مواقفهم وسياساتهم على المستويين الداخلي والخارجي ، بل وكان واضحا من كثير من الدراسات والتحقيقات الصحفية أنّ التيار المعارض للإدارة الحالية بدأ بالتحرك داخل المؤسسات الأمريكية من الداخل والخارج ، بما في ذلك البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية ووزارة الخارجية ، وتحول حمائم الإدارة وفي مقدمتهم كولن باول من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم والقوة .

كما بدأت حملة واسعة من الانتقادات الداخلية ضد المحافظين الجدد ، والذين لم يعودوا يملكون الحجج ولا البراهين التي يدافعون بها عن أنفسهم ، فلا العراق المحرر الأمريكي الديمقراطي موجود ، ولا الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يبشرون بها لها قيمة بعد أحداث أبو غريب ، بل وكثير من التصورات الاستشراقية - التي قامت عليها رؤيتهم للعالم العربي المستمدة من أفكار أستاذهم برنارد لويس - ثبتت ضحالتها وسطحيتها في العراق ، وخاصة في التعامل مع الثورة المسلحة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت