لقد كشفت مصادر إعلامية أمريكية - مقربة من وزارة الخارجية - أنّ عملية اقتحام قوات أمريكية وعراقية لمكتب أحمد الجلبي تمت دون علم رامسفيلد وصقور البنتاغون ، بل إنهم فوجئوا بعملية الاقتحام ، وكان الجلبي من الشخصيات الأولى التي حاولت الإدارة الأمريكية تقديمها ككبش فداء ثمنا لخطاياها في العراق ، واتهم بالتضليل والكذب والخداع ، كما اتهم بعلاقاته مع إيران ، ثم جاءت استقالة مدير وكالة المخابرات جورج تينت وما أحاط بها من غموض لتعمق أزمة المحافظين الجدد قبيل الانتخابات ، وتضعف موقفهم ، وما تزال هناك دعوات كبيرة ومتصاعدة داخل الولايات المتحدة تطالب بمحاسبة رامسفيلد عن كثير من الأخطاء ، وتدعو إلى إقالته .
يبدو واضحا أن هناك ثورة مضادة متصاعدة داخليا تدفع باتجاه التخلي عن مشروع المحافظين الجدد واليمين الأمريكي المتطرف ، تنطلق هذه الحملة من مساحات متعددة ومختلفة في الحركة السياسية الأمريكية ، وتجتمع جهود المعارضين لترمي عن قوس واحدة صقور الإدارة الأمريكية: فهناك حمائم الإدارة ، وهناك المحافظون القدامى ، وهناك تيار من الخبراء العسكريين الحاليين والمتقاعدين معارض لسياسات رامسفيلد ، وهناك الحزب الديمقراطي ، ومؤسسات المجتمع المدني ، وينضم إلى هذه القوى عدد كبير من الخبراء والمنظرين الأمريكان الكبار - والذين لهم وزن معروف في صوغ التصورات الاستراتيجية الأمريكية - يرون بأنّ سياسات المحافظين الجدد قد أضرّت بالولايات المتحدة وقوتها داخليا وعالميا وفي مقدمة هؤلاء الخبراء بريجنسكي ، وكلارك ، وانتوني زيني ، ووصفت مجلة [ النيوزويك ] الإدارة الحالية بأنها"أخرق قيادة مدنية في تاريخ أمريكا الحديث"، في حين عبر عن هذه الحالة باتريك سيل في مقالته"هل يتخلى بوش عن المحافظين الجدد" ( في صحيفة الحياة 4 حزيران 2004 ) :-"تواجه الولايات المتحدة ـ رغم تردد إدارة بوش بالاعتراف بذلك ـ أسوأ أزمة عرفتها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية ، إنها أزمة قيادة وأزمة سمعة وأزمة قدرات عسكرية وهيبة معنوية".
شتان شتان ما بين طموح المخططات الأمريكية قبل الحرب لـ"عراق ما بعد صدام"وما بين الواقع الحالي ، بل ما بين قوة وزخم المحافظين الجدد قبل الحرب وبين واقعهم اليوم ، قد يتمكن الرئيس بوش من الفوز بالانتخابات القادمة ، لكنه بالتأكيد لن يكون سعيدا في البقاء مع الفريق الحالي في إدارته ! .