حسين النديم
ضربات الاقتصاد.. هل تفجر صراع حضارات
بعد دقائق من ورود خبر الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي يوم الثلاثاء الماضي 11-9-2001، هبطت معظم بورصات الدول الصناعية بشكل حاد جدًا لم يحدث مثيله إلا في عام 1987، وانخفضت قيمة الدولار الأمريكي أمام جميع العملات الرئيسية، وارتفع سعر النفط، وكذلك الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا للمدخرات والاستثمارات.
في مساء يوم الثلاثاء وصباح الأربعاء 11/ 12 -9-2001 وعدت البنوك المركزية لدول مجموعة الدول السبع الصناعية خاصة الولايات المتحدة نفسها واليابان، بإمداد أسواق المال بالسيولة اللازمة؛ لمنع حدوث حالة هلع بين المستثمرين والمودعين، وهذا الأمر ليس مستغربًا في ضوء الصور المفجعة لتلك العملية غير المسبوقة في تاريخ عمليات الإرهاب الدولي وحالة الطوارئ التي تلتها.
لكن الحقيقة التي غطّى عليها الهجوم والتي سيؤثر فيها مباشرة هي أن النظام المالي العالمي كان في طريقه إلى ركود شامل خلال هذه الأسابيع، وذلك وفقا لتوقعات عالم الاقتصاد الأمريكي"ليندون لاروش"نتيجة سياسات عدة سنين من ضخ الأموال في أسواق المضاربات المالية وإهمال الاستثمارات في البنية التحتية والصناعات الثقيلة والزراعة والخدمات العامة في معظم دول العالم الصناعية.
وكذلك بروز تحالف اقتصادي تجاري آسيوي - روسي - إسلامي على"طريق الحرير الجديد"، وهو مشروع طموح لربط البنى التحتية للنقل والطاقة بين دول القارة الأورآسيوية ليتخطى ما يروج له مبتكرو ما سُمي"صراع الحضارات"، وبناء حوار حضارات مبني على تعاون اقتصادي تنموي أكثر عدالة من النظام الاقتصادي والسياسي الحالي الذي وصل إلى نهايته المنطقية.
إشارات من روسيا والشرق
بعد ساعات من وصول رئيس الوزراء الإسرائيلي"إريل شارون"إلى موسكو بداية شهر سبتمبر الحالي، أعلن نائب وزير الطاقة النووية الروسي عن التزام بلاده بإكمال مشروع المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، بل وأعلن أيضًا عن استعداد روسيا لعرض بناء مفاعل جديد على إيران.
كانت تلك إشارة واضحة إلى شارون من القيادة الروسية حول ضرورة عدم التطرق إلى علاقة روسيا الإستراتيجية بإيران والعراق؛ لأن إعادة النظر في هذه القضية أصبحت أمرا غير وارد، وعندما أصر شارون على محاولته الضغط على القيادة الروسية لإعادة النظر في علاقتها بإيران، سمع الكلام نفسه من فم الرئيس"فلاديمير بوتين". وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن السياسة الرسمية الروسية اليوم هي تقوية علاقاتها بالبلدان الأورآسيوية المستعدة للعمل على بناء علاقات اقتصادية متينة وبعيدة الأمد، والتخلي عن نظام مساعدات صندوق النقد الدولي والدول الغربية التي نهبت روسيا بـ"إصلاحاتها".
قبل شهرين من ذلك وقّعت روسيا والصين معاهدة الصداقة الإستراتيجية القاضية بتقوية التعاون السياسي والاقتصادي بين الدولتين في مجالات النقل والطاقة والتجارة والتبادل التكنولوجي والتسليحي خلال العشرين سنة القادمة، وقد اعتبر المحللون الغربيون تلك المعاهدة تحديًّا إستراتيجيًا كبيرًا لنظام القطب الواحد السائد في العالم، وقد كان هذا التعاون قد بدأ من عدة سنين، لكنه لم يرق إلى هذا المستوى في ظل سياسات الرئيس الروسي السابق"بوريس يلتسن"، ويعتبر النقل عبر خط سكك الحديد - عبر سيبيريا - من أقاصي الشمال الشرقي الصيني إلى موسكو وأوروبا، بالإضافة إلى رغبة الصين بالاستفادة من الموارد المعدنية ومصادر الطاقة الهائلة غير المستثمرة في مناطق سيبيريا كمصدر مستقبلي لاحتياجاتها المتنامية - من أهم نقاط هذا التعاون.
وكانت كل من الهند وروسيا وإيران قد أسست في 15 مايو الماضي"اتحاد النقل الأورآسيوي"، وهي اتفاقية ترانزيت تجارية لنقل البضائع من"الهند"بحرًا إلى ميناء"بندر عباس"الإيراني، وعبر شبكة سكك الحديد الإيرانية إلى ميناء"بندر أنزلي"على بحر قزوين، ومن ثم بحرًا إلى ميناء"أستراخان"الروسي، وصولا إلى شمال شرق أوروبا، وهذا يعني فتح ممر تجاري بين آسيا وأوروبا يختصر مدة نقل البضائع بمقدار الثلث، وفي الوقت نفسه تقوية التحالف الإيراني الروسي، ولا تزال إيران كذلك سائرة في بناء سكة حديد"كرمان ـ زاهدان"على الحدود مع باكستان لربط إيران بها وبالهند، كما أن المناقشات لا تزال قائمة حول بناء أنبوب غاز من إيران الى الهند يمر بباكستان حيث تستفيد منه هي أيضًا.
أضف إلى ذلك تأسيس"منظمة شانغهاي للتعاون"في يونيو الماضي، وتتألف من كل من الصين وروسيا وكازاخستان وكيرجيستان وطاجيكستان وأوزبكستان، وكانت هذه المجموعة تُعرف باسم"خمسة شانغهاي"، أضيفت لها أوزبكستان هذا العام، وكان الهدف الأساسي لهذه المجموعة هو محاربة ما يُسمى بالتطرف الإسلامي في هذه المنطقة الحساسة من العالم، حيث تدور ألاعيب جيوسياسية عالمية تقودها أمريكا وبريطانيا؛ للسيطرة على مصادر الطاقة، ومنع امتداد نفوذ روسيا وإيران والصين إليها.