فهرس الكتاب

الصفحة 24322 من 27364

وقد تحول انتباه أعضاء هذه المجموعة تدريجيًا إلى قضية التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، خاصة بعد بناء مشاريع طرق وسكك حديد جديدة تربط بينها، ومن المرجح أن تنضم إيران إلى هذه المجموعة قريبًا، أما أفغانستان التي تسيطر عليها طالبان وباكستان التي تدعمها، فإن انضمامها إلى هذه المنظمة هو رهن بحل القضية الأفغانية الشائكة.

كما أن تركيا ودولا عربية مثل العراق وسوريا هي في طريقها إلى الاندماج إلى هذه التشكيلة، عن طريق الارتباط بها بواسطة سكك الحديد وأنابيب النفط والغاز، يضاف إلى ذلك قيام مصر بإكمال بناء جسر"الفردان"في شهر أكتوبر المقبل الذي سيربط قلب مصر وقارة أفريقيا بالبر الآسيوي عبر سيناء والى رفح الفلسطينية، وكان المتابعون المصريون يأملون في حل"أزمة السلام"بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ حتى يكتب لقطار الشرق السريع أن يسير عبر الأراضي الفلسطينية إلى الأردن وسوريا، في طريقه إلى أوروبا وربما إلى آسيا عبر العراق وإيران.

إن إستراتيجية طريق الحرير الجديد هذه كانت تبدو وكأنها أحلام جميلة في بداية التسعينيات، لكنها اليوم أصبحت تشكل واقعًا؛ بسبب الجهد الكبير الذي بذلته الصين وإيران ودول آسيا الوسطى والآن روسيا، وقد أصبح هذا أيضًا تكتلا عالميًا غير معلن قد يجذب إليه أوروبا الغربية التي تتعطش لتوسيع صادراتها الصناعية إلى أوروبا الشرقية و"الشرق الأوسط"وآسيا؛ هربًا من الركود الاقتصادي القادم، لكن يمنعها الخوف من رد الفعل الأنجلوأمريكي الذي كان دائمًا يعتبر التعاون القاري بين دول أوروبا الغربية والشرقية وآسيا تهديدًا لنفوذ الإمبراطورية البحرية البريطانية.

كما أن هذه الإستراتيجية قد أصبحت جزءًا من رغبة الصين وروسيا والهند بخلق"عالم متعدد الأقطاب"، وكان رئيس الوزراء الروسي السابق"يفجيني بريماكوف"قد عبّر عن ذلك صراحة حين أعلن أثناء زيارته إلى الهند في آخر شهر ديسمبر عام 1998 (ثلاثة أيام بعد عملية القصف الأمريكية البريطانية ضد بغداد) عن رغبة بلاده في تأسيس التحالف الثلاثي بين الهند وروسيا والصين.

من ناحية أخرى، كان هذا المشروع الذي يركز على تطوير البنية التحتية وتنمية المناطق الداخلية الواسعة لدول شرق وجنوب شرق آسيا بمثابة الرد على الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي اجتاحت المنطقة بعد عام 1997؛ نتيجة المضاربات العالمية ضد عملاتها وأيضًا التركيز الشديد لهذه الدول على الاعتماد كليًا على صادرات السلع الاستهلاكية إلى العالم الصناعي.

والأهم من كل ذلك، أن دولاً مثل الصين وروسيا والهند وإيران تتبع ديانات وعقائد مختلفة بشكل كبير عن بعضها البعض، لكن تمكنت من كسر الهوة التي تفصلهم عن طريق البناء على مصالحها المشتركة، هذا النوع من التعاون سيساعد بالتأكيد في محاولة إزالة أسباب الصراع بين بعض هذه الدول الكبرى والأقليات المسلمة فيها، مثل: مشكلة الشيشان في روسيا، والمسلمين في الصين وقضية كشمير التاريخية، في ظل ظروف تعاون اقتصادي وتجاري ستجنح هذه الدول في محاولة التوصل إلى حلول عملية لهذه المشاكل؛ حفاظًا على مصالحها الاقتصادية عند الأطراف الأخرى.

من أورآسيا إلى نيويورك

إن انهيار أسواق المال الأمريكية والأوروبية الغربية، واحتمال تدهور سعر الدولار، وحدوث ركود قد يستمر طويلاً سيذهب بنصف القوة الإستراتيجية لأمريكا وحلفائها الغربيين (في حلف الناتو) ، وما سيتبقى لهم هو القوة العسكرية، وفي ظل عدم قيام الدول الغربية هذه بإعادة النظر في النظام المالي الحالي الذي أدى إلى هذه الأزمة وبناء نظام جديد مبني على أساس التجارة العادلة والتنمية الاقتصادية الحقيقية لدول العالم النامية وتغيير سياسة الإقراض الاستعبادية وشروط صندوق النقد الدولي الظالمة، فإنه ليس من المرجح أن يكون هنالك حل للأزمة المالية والاقتصادية العالمية.

ويوجد في أوساط مؤثرة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالولايات المتحدة من يروج لاستخدام حالة الحرب بين"إسرائيل"والفلسطينيين؛ لخلق أزمة عسكرية و"صراع حضارات"عالمي يعيد لحلف الناتو سيطرته على الشؤون السياسية في العالم، لكن لن يتم هذا الأمر إذا بقي الصراع العسكري محدودًا بين إسرائيل والفلسطينيين؛ إذ لا بد من توسيع دائرة الصراع حتى يمكن تحويله إلى حرب دينية تجتاح معظم القارة الأورآسيوية.

ومن أبرز هؤلاء المخططين الإستراتيجيين"زبيجنيف بريجينسكي"مستشار الأمن القومي السابق صاحب نظرية"قوس الأزمات"، الذي كانت تعني خلق طوق من الحروب الإقليمية والدينية وغيرها على طول حدود الاتحاد السوفيتي مع دول العالم الإسلامي من بنغلاديش وكشمير وأفغانستان، مرورا بإيران والعراق ومنطقة الهلال الخصيب، نزولاً إلى السودان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت