فهرس الكتاب

الصفحة 4094 من 27364

المغتصِبون المُقْتَلَعُونَ من غزة.. الجد والحفيد

د. نزار عبد القادر ريَّان(*

ثم تأتي السنة بعد؛ لتكمل الصور وتضفي عليها ألوان التطبيق البشري"ليهود"، فيغنيك اليهودي بشخصه عن اختباره، فيبرح الخفاء، ويحصحص الحق، ويبين اليقين.

والصهاينة المغتصبون في الدولة المسخ (إسرائيل) ، كأنما قُدّوا من أديم جدودهم، قد سلكوا طريق آبائهم، فنزعوا نزعهم.

ونحن المسلمين؛ يعلم الله تعالى، أوسع الناس دارًا، وأكرم الناس مَحْتِدًا، قد اتسعت نفوسنا والبلاد، واقتسمنا اللقمة على حُبٍ وفاقة حتى مع اليهود، وبذلنا وَقْتَ بَخِلَ الناس، وَشَحُّوا، وصار سَمْتُ صدورنا استيعاباً، وقت قام الناس في كل البلاد والنجاد على اليهود، وما حديث الأذفونش السادس (1) بسِرٍ.

أما المغتصبون اليهود؛ فهذه شواهد المقال، تنبيك عن طباعهم العتيقة الدفينة المطمورة في التاريخ، وهذه شواهد الحال، تفضح لك الصورة حتى تقول: ما أشبه الغراب بالغراب.

وإن تعجب، فَمِمَّ العجب؟ وأنت تعلم أن ربنا سبحانه أحب لنا أن نرى الحقيقة بأصبارها، بهية جلية، لا تخفى منها خافية، والعاقل من أخذ الأمر بقوابله وهواديه، فكما كان الجَد، يكون الحفيد، فشاس الأول هو شارون الآخر، ويهود خيبر والنضير، هم يهود نتساريم أو إيلي سيناي، ولا اعتبار للزمن، فالدخائل عَيْنُها والدفائن، وكذا مُخَبَّآتُ الصدور، فَمِمَّ العجب إذن، والقوادم تَشِي بالذيول وتحكيها! بالأمس الغابر كان بنو النضير يتحصنون بحصونهم، ويمتنعون بدورهم وبيوتهم، فسلطهم الله على هذه الدور والبيوت، يخربونها بأيديهم، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نِجَاف بابه يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين (الحشر:2) في صورة موحية، وحركة مصورة، فتسقط الحصون بفعلهم هم، ثم يزيدون فيخربونها بأيديهم، وأيدي المؤمنين.

تلك صورة"يهود"أمس، يوم لم تكن الحضارة قد أخذت من الشعوب مأخذها، ولم تعرف الإنسانية المعاني التي عرفها الناس اليوم، فلا مساواة، ولا إخاء، ولا إيثار، أو عولمة، يزعمون!

وبعصرنا، يُخْرَجُ اليهود من مغتصبة"يميت"في سيناء، في سني الثمانينيات، فيدعونها قاعًا صفصفًا، أو كالصريم؛ لا دار ولا حجر، ولا ماء ولا شجر، ولا طريق سابلة، فكل ما تركوه شاهد أنه: من هنا مر اليهود.

من هنا مرت وجوه كالحة؛ من جنين، من رفح، من حي الزيتون، من بيروت، من صبرا وشاتيلا، فمن كل مكان مر"يهود"، تركوا أثرًا يشهد، وعلامة تشير، تنشر الموت وتبقي الأرض قحلاً، تنزع نخل سيناء من أرضه، وتزرعه زينة في طرقات فلسطين المغتصبة، ولا تجد من ينكر عليها.

هؤلاء هم اليهود، فهل ينشق الثوب عن غير صاحبه، وهل كان الحفيد غير جده، فإن كان أحد يُمني نفسه بأن يخرج الصهاينة تاركين وراءهم غنيمة يغنمها المسلمون، فهو واهم، سيبيدون كل أخضر وطائر، لن يبقوا حجراً أو شجراً، لن يتركوا أثراً غير دمار الأرض وحرق الكون، ودفن المخلفات الكيماوية والنووية في مغتصبات القطاع، أما آبار الماء التي استنزفت مياه غزة ثلاثين سنة، فأُراهن قبل الهدم يتم التلويث، إنه الكيان الصهيوني؛ واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط!

تقول يهود:"علينا ونحن نضع خططنا ألا نلتفت إلى ما هو خير وأخلاقي، بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري" (2) للأمن المزعوم مثلاً، لإشباع غريزة سفك الدماء على فطير صهيون، للخضوع لرغبات إرهابيي المغتصبين، لئلا يفرح الفلسطينيون ساعة بنصر الله وتوفيقه المجاهدين، لئلا يقال: إن حجر"فارس عودة" (3) الطفل الشهيد، صار دارًا محررةً ووطنًا، وأنَّ المقاومة تقلع عين المحتل وتَجزُّ قلبه. فلتخربوا بيوتكم، ولتدمروا القرميد الأحمر المصبوغ بدماء"إيمان حجو" (4) ابنة الشهور الأربعة، فسنعيد القحل بعد البور زرعًا يانعًا، وسنحرث من الأرض بقاياكم المُتَبَّرة، ونغرس مكانكم أبناء الشهداء والأسرى؛ فسائل نصرنا الآتي، ونسمي مغتصبة"كفار داروم" (5) "مدينة الشهيد محمد سلطان" (6) من أهل الشرقية بمصر، الاستشهادي الذي فجر نفسه على أسلاك مغتصبة كفار داروم (7) ، ونبني فيها مسجدًا باسم الشهيد"بهاء الدين أبو السعيد" (8) ونعلي مآذنه والمنارات؛ كي نرى في بئر السبع وعدًا قطعه على أنفسهم المجاهدون، أن يُسمعوا الفيافي والقفار صوت حدائنا: عائدون عائدون؛ إننا لعائدون.

عائدون كالغيث والندى، عائدون كالمطر، عائدون كالقمر، عائدون كالزَّهَر، كالبِشْرِ عائدون كالأمل.

عائدون برغم كيد العِدا؛ برغم دباباتهم، برغم طائراتهم، نحن الذين نبتنا من جراحات آبائنا، نحن الذين نبتنا من دماء أجدادنا، نحن الآمال المحبوسة في المآقي الدامعات، إننا لعائدون. نحن طلاب حق؛ دورنا في يافا والمرابع حالمات غانيات، تنتظرنا المساجد في بيسان وصفد وطبريا، أن نعلي فيها التكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت