د. أحمد إبراهيم خضر
الإلحاد كما يقول (القرطبي) : هو التكذيب. وأصل الإلحاد في لغة العرب هو العدول عن القصد، والجوْر عنه والإعراض، ويستعمل للإشارة إلى كل معوج غير مستقيم، وقيل: إنه الكفر والشرك.
والإلحاد نتيجة لازمة لحالة النفس التي استنفدت كل إمكانياتها الدينية، فلم يعد في وسعها أن تؤمن. والإلحاد في الغرب كما يقول (عبد الرحمن بدوي) يتجه مباشرة إلى «الله» وينكر الدين. وعلى هذا الأساس نجد أن المفاهيم الغربية: كالتنوير، والعقلانية، والنفعية، والعلمانية، والوضعية: التجريبية والمنطقية والإمبيريقية والبراجماتية والحداثة وما بعد الحداثة...إلخ: كلها مفاهيم أساسها إلحادي، ومن ثم فهي غير محايدة.وهي شديدة التداخل بعضها مع بعض، وفدت إلينا من الغرب، وانفعل وتفاعل معها بعض باحثينا، رغم أنها جميعًا وبلا استثناء تصب في نهر واحد: هو معاداة الدين، ومحاولة فصل الأخلاق عنه.
التنوير كما يصفه (عاطف أحمد) : هو مركز الحداثة الغربية، وهو مرحلة من مراحل الفكر الأوروبي تميزت بالتأكيد على الخبرة والعقل الإنساني، وظاهريًا ليس في ذلك شيء، لكنه ارتبط بعدم الثقة بالدين، وبسلطة التقاليد، ورفض الوصاية الدينية على الفكر وشؤون الحياة. وارتبط التنوير أيضًا بالنشأة التدريجية للأفكار التي تبنتها المجتمعات الغربية: كالليبرالية، والعلمانية، والديموقراطية.
ينظر التنوير إلى الكائنات البشرية نظرة مادية، ويؤمن بقدرة الإنسان على تحقيق التقدم من خلال التعليم والبحث العلمي الهادف للسيطرة على الطبيعة؛ في الوقت الذي يُعلي من قيمة المنفعة في المجال الاجتماعي والأخلاقي. و «النفعية» هنا تقوم على مبدأ: أن اللذة أحسن وأفضل من الألم، والمنفعة هي السعادة الكبرى لأكبر عدد من الأفراد، والوصول بالسعادة إلى أقصى حد ممكن هو الهدف الأساسي والنهائي للجنس البشري، ولا يتم ذلك إلا عن طريق اللذة، فلا شيء مرغوب لذاته سوى اللذة، وليس هناك نوع من اللذة أفضل من الآخر. وترتبط النفعية «بالبراجماتية» وهي النظرية التي ترى الآثار الملموسة تجريبيًا والمتضمنة في فكرة ما أو في قضية ما، هي التي تكوِّن معنى القضية، وتعتبر في نفس الوقت معيارًا لصدقها. وتنظر «البراجماتية» إلى «المنفعة» على أنها المعيار الأساسي لكل قيمة.
أما أساس الفكر التنويري كما يرى (غانم) هنا فهي المقولة المعروفة: «لا سلطان على العقل إلا العقل» . وقد شغلت قضية العقل الفلسفة الغربية لألفي سنة؛ مما أدى إلى التطرف في تأكيد مكانة العقل وسلطته في المجتمع البشري، وأعلت من قيمته ليقف في مواجهة الإيمان والسلطة الدينية والمسائل الروحية، ويرى (سمارت) في الموسوعة الفلسفية أن روح عصر التنوير العقلانية النقدية وجهت ضد الحقائق المنزلة في الكتب المقدسة، ويرى أيضًا: «أن أفضل استخدام للعقلانية على المستوى الديني سلبي تمامًا، وأنها في نهاية المطاف حركة مضادة للدين ذات نظرة نفعية، لا تلقي بالًا للقيم الأخلاقية، وتعطي وزنًا أكبر للمناقشات العلمية والتاريخية المضادة للإيمان.
ومن هنا تحددت «العقلانية» على أنها مذهب فلسفي، يرى أن كل ما هو موجود مردود إلى مبادئ العقل. وتداولت المعاجم والدراسات هذه الصيغة العقلانية، وتكررت في مؤلفات مؤرخي الفكر في شتى اللغات، وأضحى مفهوم «التنوير» ملازمًا لمفهوم «العقلانية» ؛ على أنها العمل بمبادئ العقل. سُمّي القرن الثامن عشر في فرنسا بـ (عصر التنوير) . واعتاد مؤرخو الفكر على أن يطلقوا لقب «فيلسوف» على كل من كتب بروح جديدة في هذا القرن، سواء أكانت كتاباته في التاريخ أو العلوم أو الدين أو القانون أو السياسة. وسُمّي هذا القرن أيضًا بـ «قرن الفلاسفة» كرديف لمن خالف الشائع، فترسخ معنى «العقلانية» على أنها بناء كل الإنتاج الذهني ممحورًا حول العقل وقدراته، وتحولت «العقلانية» لتعني الثقة الكلية بالعقل، والإيمان بقدرته ورفض ما عداه من سلطة بما فيها السلطة الدينية.
هناك تطورات اقتصادية واجتماعية رافقها تقدم نوعي في مختلف العلوم مهدت لظهور العقلانية والتنوير، ودفعت من ثَم إلى قطيعة شبه كاملة مع الدين. وحين حدث الانقلاب الواضح في أسس وآلية المنهج العلمي، وحين استتبت التجربة والاستقراء كمنهج في علوم كثيرة: كالرياضيات، والهندسة، والميكانيكا، انتقل هذا المنهج بتأثير التحولات الاجتماعية إلى الميادين الأخرى، وأهمها الدين والأخلاق، وأضحى أداة اليقين والعلمية، فشاع بعد ذلك «أن كل معرفة يقينية لا بُدّ أن تستمد يقينها من الواقع ومن قابليتها للتعميم عليه، وليس الدين» . ومن هنا طالب المفكرون الغربيون بتأسيس الأخلاق على العقل وحده وليس الدين، مؤمنين باستحالة التوفيق بين الوحي والعقل، وبين الإيمان والعلم، وبَشَّر بعضهم بدين جديد أسماه «الدين الطبيعي» الذي لا يقوم على وحي ولا هو بحاجة إلى هرمية كهنوتية، ولا إلى عناية إلهية أو تناسق مسبق، بل على ما فطرت عليه طبيعة الإنسان ووهبته من أخلاق تمكنه من إقامة مجتمع تحكمه الأخوة والمساواة.