وهناك بعض التعريفات التي تربط العقلانية «بالإمبيريقية» بصورة مباشرة، منها أن العقلانية هي كل تفكير، أو فعل واع منبثق من قواعد المنطق والمعرفة الإمبيريقية؛ حيث تترابط الأهداف ارتباطًا منطقيًا، وتتحدد وسائل أكثر ملاءمة، وتعرَّف الإنبيريقية أو «التجريبية» : بأنها كل ما يقوم على الملاحظة والتجربة، ويُستخدم هذا المصطلح ليشير إلى الملاحظات والقضايا التي تعتمد أساسًا على الخبرة الحسية، أو التي تشتق من الخبرات التي يتم التوصل إليها عن طريق «المنهج الاستقرائي» وهو العملية المنطقية التي تستنبط عن طريقها التعميمات من وقائع جزئية؛ أي الانتقال من الحكم والأمثلة الفردية إلى المبادئ العامة. وقد ذهب المفكرون الغربيون بـ «التجريبية» إلى جميع الحقول في العلم والمعرفة وحتى الدين، ثم إلى عمق ما يُسمّونه «بالوضعية» بحيث تكون الحواس والتجربة المصدر الوحيد لكل معرفة يقينية، مبقية للعقل القدرة على الربط بين معطيات الحواس وتذكرها، ويرون أن الأفكار تنشأ من هنا، ومن بين هذه الأفكار ما يطلقون عليه «فكرة الله» . ويرى مفكرو الغرب كذلك أنه لا وجود لقوانين أو معطيات قَبْلية سابقة على التجربة، والتكرار هو الذي يجعل المعرفة عادة، وعلى هذا الأساس لا يعترفون بكل المعطيات الدينية؛ لأنها تمثل معطيات سابقة على التجربة. وخلاصة ذلك: أنه لا حقائق معرفية في مجال الدين؛ لأن الحقائق الدينية في نظر مفكري الغرب هي موضوع إيمان وليست موضوع معرفة. وحسبنا هنا في بيان تعارض الإمبيريقية مع العقيدة ما اعترف به الباحثون العرب من أن الإمبيريقية تستند إلى ما يسود العلوم الاجتماعية من اتجاه علماني، ومن اهتمام بمسائل علمانية، ولأن «الإمبيريقية» تعتمد فقط على الأساليب الفنية؛ فإنها ترفض أي فكر، وترى بصراحة أن كل ما لا يخضع للتجريب فهو باطل.
و «الوضعية» : فلسفة ظهرت على يد المفكر الفرنسي «أوجست كونت» الذي ولد في «مونبيليه» لأسرة تقليدية كاثوليكية فقد الإيمان وهو في السادسة عشرة من عمره، وتحول إلى شاب متحرر يقرأ لـ «فولتير» ، وسعى لإبعاد الله باسم الدين، وكان يقول إنه مستعد لتقدير الله تاريخيًا بشرط الانتهاء منه ومن ذكره نهائيًا.
سَمّى الشيخ (مصطفي صبري) فلسفة كونت بـ «الفلسفة الإثباتية» ووصمها بالإلحاد. استغرق تأليف هذه الفلسفة من «كونت» اثني عشر عامًا، وخلاصتها: إحلال الروح العلمية محل الروح الدينية، وحل مشكلات الأخلاق والدين. رأى «كونت» أن فلسفته الوضعية لن تجعل هناك حاجة إلى الدين، كما حاول أن يصطنع أخلاقًا وضعية بعيدة كل البعد عن أي فكرة دينية، وخالية تمامًا من أي مصدر إلهي. المطلق عند «كونت» لا وجود له في العالم، والمطلق الوحيد عنده هو أن كل شيء نسبي. والأديان عنده ولدت من الخزعبلات القديمة، وفي رأيه أن الدين يجب أن يبقى شكلًا، ولا بُدّ أن يتغير محتواه، ولهذا انشغل في أواخر عمره في صياغة دين عالمي بلا إله، أبقى فيه على الطقوس، وبدلًا من أن يتجه الناس إلى عبادة إله غير مرئي جعلهم يتجهون إلى الإنسانية لعبادتها، وأعلن نفسه البابا الأعلى للإنسانية. المرأة عند «كونت» هي الأجدر بالعبادة؛ لأنها محل لتحقيق أماني الصداقة والعشق. وتاريخ كونت الشخصي يكشف أنه أنه كان مصابًا بأمراض نفسية وعقلية، كما كان متزوجًا من بغي كان يقوم بالتستر عليها من الشرطة. كما يكشف تاريخه أيضًا أن فلسفته الوضعية هذه كانت ثمرة علاقته بامرأة سجين فرنسي أحبها، وكتب لها ما نصه: «لقد بدأت الوضعية الدينبة فعلًا في لقائنا الأول يوم الجمعة 16 مايو 1845م» . والحقيقة هنا هي أن الفلسفة الوضعية ليست أصلًا من بنات أفكار «كونت» وإنما هي من أفكار أستاذه (سان سيمون) الذي تتلمذ على يديه ست سنوات. عرَّف (سان سيمون) الوضعية بأنها تطبيق المبادئ العلمية على جميع الظواهر الطبيعية والإنسانية وفهمها في ضوء هذه المبادئ فقط (لا الدين) ؛ فالدين عنده يمثل طفولة الإنسانية، أما العلم فهو إطار محقق وصادق من المعتقدات الراسخة التي تحل محل الدين، والعلوم الوضعية هي التي ستتصدى في نظره للنفوذ الرجعي للأديان. التفكير الغيبي عند (سان سيمون) تفكير مزيف يجبر العقول على الطاعة العمياء.