وتكمن خطورة (سان سيمون) في اتصالاته القوية باليهود والماسونية؛ مما يوحي بالدور اليهودي والماسوني في إطلاق هذه االمفاهبم. ويقول «جي نورمانو» الأستاذ في جامعة هارفارد كاشفًا النقاب عن خطورة هذا الرجل: «كل العلوم الاجتماعية خصبتها كتابات (سان سيمون) : الاشتراكية من صنعه، وهو في نفس الوقت نبي الرأسمالية. أثر (سان سيمون) في الاقتصاد والفلسفة والتاريخ والدين وللسياسة، وهو الذي صاغ مسودة عصبة الأمم في عام 1814م، وهو فوق ذلك كله يعتبر قائدًا للنخبة الجديدة من السياسيين والصحفيين ورجال التقنية والصناعة، وهو المتحدث الرسمي باسم الجيل الذي يحمل روح التحديث الثائرة. كان (سان سيمون) منذ طفولته ميالًا إلى التحرر من الدين الذي رأى فيه اختراعًا قامت به الإنسانية، وكان يرى أن الإنسان هو الذي اخترع الله مدفوعًا بدوافع مادية، وأن فكرة الله ناتجة عن دورة السائل العصبي في المخ. (تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا) (1) .
أثرت الفلسفة الوضعية على الإسلام والمسلمين تأثيرًا مدمرًا؛ وقد انخدع بها بعض شيوخ الأزهر، ولم يعرفوا كنه حقيقتها. امتدحها الشيخ (فريد وجدي) ، وكانت وراء كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) كما أنها كانت وراء أفكار (طنطاوي جوهري) ، ولا نعتقد أننا نجانب الصواب إذا قلنا إنها كانت أحد المعاول الرئيسة في القضاء على الخلافة الإسلامية بعد أن تبنتها جمعية (الاتحاد والترقي) في تركيا التي آمنت بمبدأ الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية وهي الدعامة التي تغلغلت بها الفلسفة الوضعية إلى الشرق. رحبت المحافل الماسونية، وخاصة محفل «سلانيك» بإيطاليا بجمعية (الاتحاد والترقي) وكانت جلسات هذه الجمعية تعقد في غرف هذه المحافل التي يستحيل على الجواسيس أن يصلوا إليها.
أما «الوضعية المنطقية» كما يصفها (محمد المياري) فقد تطورت من وضعية كُوِّنت وتأسست على يد جماعة تسمى بـ «جماعة فيينا» . وما يهمنا من هذه الفلسفة هو عداؤها للدين الذي بنطوي تحت محاربتها للميتافيزيقا؛ فهي ترفض لغة الميتافيزيقا، وتصفها بأنها لغة زائفة، يمكن تكذيبها، ولا تخرج عن كونها مجرد لغو، وتشكل أشباه قضايا، وليست قضايا، كما ترى أن الخبرة الحسية هي المجال الوحيد الذي يمكن أن تبحث فيه أي قضية والذي يمكن للإنسان أن ينهل منه أحكامه العملية، وما لا يرتد إلى الخبرة الحسية عند هذه الوضعية لا معنى له.
أما «العلمانية» فلا تحتاج إلى كثير بيان؛ إنها كما شرحها (شريف يونس) : ذلك المبدأ الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة وعن التعليم العام، وتحويل الدين إلى شأن خاص بالفرد، وكفالة حق الأفراد في تغيير عقائدهم كيفما شاؤوا. وتنطلق «العلمانية» من رؤية إنسانية غير دينية للعالم تحرر الفرد من الخضوع لما هو غيبي ومطلق. ويرى (محمد الحارثي) : أن مفهوم فصل الدين عن السياسة هو المفهوم السائد للعلمانية عند العرب. إلا أنه يوضح أن العلمانية الآن تحاول أن تظهر أنها ليست منكرة لوجود مسلَّمات دينية بمعناها الشمولي. ويوضح (الحارثي) كذلك: أن الخطاب العلماني في منطقتنا العربية مساير للخطاب السياسي، وهو خطاب موجه في أساسه إلى عقلنة المجتمع فكريًا، واجتماعيًا، وسياسيًا. وكان هذا من أبرز الأسباب التي أدت إلى إثارة الخطاب الديني وحوَّلته إلى خطاب تصادمي مع الخطاب العلماني في المنطقة العربية، وخاصة أن العلمانيين كانوا قد اتجهوا إلى وسيلة ما يسمى بـ «بنقد التراث من داخله» بقصد تفعيله في تجديد الفكر العربي، كما انصب على ما يُسَمّى «بفقه الواقع» من تلك المواد التراثية وعدم استصحاب «فقه النص» بل كانوا يحاكمون فقه النص. كما كانوا يقابلون بين الواقع بكل مدخلاته المحلية والخارجبة وبين التراث والنص اليقيني بصفة خاصة، تمهيدًا لما يُسَمّى «بأنسنة الدين» ؛ أي اعتباره إنسانيًا منقطع الصلة بالله، وعد التراث جميعه المقدس، وغير المقدس منتجَ الخبرة الإنسانية.
أما «الحداثة» فمن أبرز صفاتها عدم القدرة على تعريفها، حتى إن الحداثيين أنفسهم أخفقوا في تحديد مفهوم دقيق لها، وعرَّفوا الحداثة بعد الجهد بالحداثة. ظهر المفهوم أولًا مرتبطًا بفن العمارة في عام 1945م؛ حيث كانت تعني الخروج على كل ما هو نمطي ومألوف برؤية ثورية تعيد صياغة العمارة؛ باعتبارها نشاطًا فنيًا وإنسانيًا، يتمتع بحرية تامة، ولا تحده قيود. ثم امتد المفهوم كغيره من المفاهيم إلى ميادين الحياة الأخرى، فأعيد تعريفه ليعني: وجهة نظر خاصة تدور حول إمكانات الحياة الاجتماعية البشرية، تجد جذورها في التنوير، وتتأسس على الإيمان بالتفكير العقلاني، ومن ثم تنظر إلى الحقيقة والجمال والأخلاق كحقائق موضوعية يمكن اكتشافها ومعرفتها وفهمها من خلال التفكير العقلاني والوسائل العلمية، وليس عن طريق الدين.