فهرس الكتاب

الصفحة 1426 من 27364

الحصاد المُر

محمود شنب

ظهرت بشائر الحصاد المر، وبدأت ثمار الترويض والتخويف بعد طول صبر غربي، وحسن تخطيط أمريكي، وبعد أن تمكن الخوارج وتحكم اللصوص وضاع الأمل في المثقفين والشيوخ.

نعيش الآن مرحلة القطف من غير قصف بقيادة العقيد معمر القذافي، والجني من غير ثنى بقيادة الرئيس مبارك، والتركيع من غير ترويع بقيادة ...، والانبطاح من غير إفصاح بقيادة أمراء ورؤساء وملوك....إلخ.

ذهبت سنوات الخيار والحصار، وحلت سنوات الاحتكار والاحتقار.

نمنا طويلاً، وفرطنا كثيراً، وتقاعسنا عن مواجهة الحكام، وعلاج العِلل حتى استفحل الداء، وانتشر الوباء، وسيطر المرض، وخار الجسد، وبات الغرب يجنى ثمار الشرق بتروي وتأني ودون خوف، ولا توجد خلافات بين أفراد العصابة الواحدة - أمريكا وأوربا - فالكل متفق بشأن الضحية، أما الخلافات فإنها شكلية، وتتم من أجل الوصول لأفضل مكاسب عند تقسيم الغنائم.

نمنا في الوقت الذي كان يجب أن نعمل فيه، وصحونا على صوت اللصوص وهم يقتسمون الأرض والثروة!!

كانت إسرائيل مشكلتنا الوحيدة.. كانت قليلة ونحن كثر.. صارت مشاكلنا على امتداد العالم كله فأصبحنا قِلة وهم كثر.. صرنا غنائم حرب غير معلنة، وسبايا معارك لا ندرى متى بدأت ولا متى وضعت أوزارها.

نحن كشعب لا نعرف ما الذي حدث على وجه التحديد.. لا نعرف أي شيء عن أي شيء، ولا نفعل شيء إلا الفرجة!!

كل ما نذكره أننا صحونا ذات يوم لنشاهد في ميدان الفردوس ما هو أقرب للخيال من الواقع، وأقرب للحلم من العلم.. شاهدنا الجميع يصفق لسقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية.. شاهدنا وسائل الإعلام تنقل الخبر بفرحة.. شاهدنا وجوه الخونة واللصوص وقد غمرتها السعادة والنشوة...

نظر كل منا حوله وتحسس موضع قدمه وحجرة نومه.. وجدنا السقوط في كل مكان وفي كل شئ.. وجدنا السقوط في الشيوخ والعلماء، ووجدنا السقوط في البناء والأبناء، ووجدنا السقوط في الفكر والهدف، وشاهدنا السقوط في كل عواصمنا العربية.. في القاهرة والرياض.. في طرابلس والخرطوم.. في عدن وعُمان.. في تونس والأردن.. في قطر والمغرب... وجدنا السقوط من البحر إلى النهر، ومن الشرق إلى الغرب... صحونا لنجد أنفسنا على نفس الحركة التي نمنا عليها.. مقيدون على كراسي الفرجة.. نشاهد الأحداث ولا نصنعها.. نبكى.. ولكن نشرب اللبن وننام!!

نتألم.. ولكن نروح ونأتي ونلعب ونغنى.. نعيش حياتنا التي اعتدناها، ونرشى ضمائرنا بدموع ألفناها...

سأل كل منا الآخر: متى بدأت الحرب؟!!

بعضنا كذَّب الخبر وقال: أبداً الحرب لم تبدأ، وأقسم الآخر: أنها بدأت منذ فترة طويلة ولكن دون إعلان.. يقول الدكتور جمال حمدان: ( هناك من يؤكد أن الحرب العالمية الثالثة بدأت دون إعلان ودون أن نشعر، وقد مارستها أمريكا علينا بالتدرج، وبطريقة حرب عالمية بالقطاعي ) .

إن أشد المعارك ضراوة هي تلك التي لا نعرف لها إعلان.. إنها معارك خفية تبدأ باحتلال المواقع الفاعلة في الدولة حتى لا يصبح للحاكم قيمة ولا وزن ولا حتى مساحة للمناورة وتصحيح الأخطاء.. معارك تبدأ بالتمكن من جسد الأمة عن طريق المثقفين والمشايخ والعلماء وحتى الأدباء والفنانين.. إنه التغلغل الخفي الذي يتمكن من كل ما يصيغ وعى الأمة ويحرك إدراكها، ولذلك لم يكن غريباً أن نجد في هذا الزمان شيخاً مثل شيخ الأزهر الحالي - الشيخ سيد طنطاوي - الذي رفض أن يُجير مسلمات فرنسا في أمر إلهي يستند إلى نص قرآني، لكنه خذلهن وهو يدعى إلى الإسلام ويقرأ قوله تعالى: (( وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) )الآية 6 سورة التوبة... فما بالنا والمستجيرات مسلمات قانتات راكعات ساجدات يُراد لهن الفتنة ونزع الحجاب عن رؤوسهن!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت