فهرس الكتاب

الصفحة 8495 من 27364

جون غيراسي- (عن موقع زد ماغ) ترجمة: حسام عيتاني السفير/ 26- 9- 2001

الظلم يجلب غضب الشعوب

لا أستطيع منع نفسي من البكاء فور رؤيتي شخصًا يروي على التلفاز قصة ينفطر لها القلب عن المصير المأساوي لأحبته في كارثة مركز التجارة العالمي، أعجز عن السيطرة على نفسي.

لكنني أتساءل بعد ذلك: لماذا لم أبكِ عندما محت قواتنا خمسة آلاف شخص فقير في حي"إل كوريللو"في بنما بذريعة البحث عن نورييغا، وكان قادتنا يعلمون أنه مختبئ في مكان آخر؟! لكننا دمرنا إل كوريللو؛ لأن السكان هناك من الوطنيين الذين كانوا يريدون خروج الولايات المتحدة من بنما نهائيا. وأسوأ من ذلك، لماذا لم أبكِ عندما قتلنا مليوني فيتنامي أكثرهم من الفلاحين الأبرياء في حرب كان مهندسها الرئيسي وزير الدفاع"روبرت ماكنمارا"يعلم مسبقا استحالة الانتصار فيها؟!

عندما توجهت قبل أيام للتبرع بالدم لاحظت كمبوديًا يتبرع هو الآخر بدمه، وذكّرني ذلك بهذا السؤال: لماذا لم أبكِ عندما ساعدنا"بول بوت"على ذبح مليون آخر من مواطنيه، بإعطائه السلاح والمال؟ ألأنه كان يعارض"عدونا"الفيتنامي (الذي أوقف حقول القتل؟) .

وقررت في ذلك المساء التوجه إلى السينما في محاولتي للامتناع عن البكاء. واخترت فيلم"لومومبا"في"منتدى الأفلام". وأدركت هناك مجددًا، أنني لم أبكِ عندما رتبت حكومتنا مقتل الزعيم الوحيد المحترم الذي عرفته الكونغو واستبدلته بالجنرال موبوتو، الديكتاتور الجشع والخبيث والقاتل. كما لم أبكِ عندما دبرت وكالة الاستخبارات المركزية الإطاحة بزعيم إندونيسيا سوكارنو الذي قاتل الغزاة اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، ونصبت مكانه جنرالا آخر هو سوهارتو الذي تعاون مع اليابانيين ولاحق وأعدم نصف مليون"ماركسي"على الأقل؟

لا نبكي إلا لبني جلدتنا

شاهدت التلفاز مجددًا الليلة الماضية، وبكيت بسبب صورة ذلك الأب الرائع، المفقود حتى الآن، وهو يلاعب طفله البالغ من العمر شهرين. لكنني عندما تذكرت المذبحة التي ذهب ضحيتها آلاف السلفادوريين الذين وصف"راي بوتر"بتفصيل شديد مأساتهم في"التايمز"؛ أو اغتصاب وذبح أولئك الراهبات الأمريكيات، من قِبل عملاء حرضتهم ودربتهم ودفعت لهم وكالة الاستخبارات المركزية، لم أذرف دمعة واحدة. بل إنني بكيت عندما سمعت مقدار شجاعة بربارا أولسون - زوجة المراقب العام في وزارة العدل - الذي أحتقر آراءه السياسية، لكنني لم أبكِ عندما اجتاحت الولايات المتحدة الدولة الصغيرة في بحر الكاريبي، غرينادا، وقتلت مواطنين أبرياء كانوا يأملون في تحسين ظروف حياتهم ببناء مطار للسياح، رأت فيه حكومتي إثباتا على بناء الروس لقاعدة عسكرية. لكن البناء أكمل بعدما تأكد بقاء الجزيرة في معسكر الولايات المتحدة‍!.

لماذا لم أبكِ عندما خطط وأمر"إريل شارون"، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، بذبح ألفي فلسطيني فقير في صبرا وشاتيلا وهو شارون نفسه الذي عمل كغيره من زعماء عصابة أرغون وشترن الإرهابيين بيغن وشامير اللذين قتلا زوجات وأطفال الضباط البريطانيين بتفجير فندق الملك داود؟!

أعتقد أن المرء لا يبكي إلا لبني جلدته. لكن هل يبرر ذلك السعي للانتقام من كل من يختلف معنا؟ هذا ما يبدو أن أمريكا تريد القيام به. حكومتنا ثائرة الآن، وكذلك القسم الأكبر من وسائل إعلامنا. لكن هل نؤمن بأن من حقنا استغلال الفقراء في العالم من أجل مصلحتنا، ولأننا نزعم أننا أحرار وهم ليسوا كذلك؟

إذن، هانحن نمضي إلى الحرب، وكلنا ثقة أننا سنقتفي آثار أولئك الذين قتلوا العدد الكبير من إخواننا وأخواتنا الأبرياء. وسننتصر طبعا ضد أسامة بن لادن، وضد طالبان، وضد العراق، وضد الجميع، وضد كل شيء. أثناء ذلك سنقتل مجددا بضعة أطفال أبرياء.. أطفال لا يملكون ثيابا للشتاء المقبل، وليس لديهم منزل يحميهم، وليس لديهم مدرسة لتعليمهم. لماذا هم مذنبون، ولم تزد أعمارهم بعد عن سنتين أو أربع أو ست سنوات. ربما سيدّعي المبشران الإنجيليان"فالويل"و"روبرتسون"أن موت الأطفال أمر حسن؛ لأنهم لم يكونوا مسيحيين، وربما سيخرج متحدث باسم وزارة الخارجية ليخبر العالم أن هؤلاء الأطفال كانوا من الفقر بحيث أن وضعهم قد تحسن الآن.

متى نتعلم؟

وماذا بعد؟ هل سنتمكن من إدارة العالم وفق ما نريد؟ ومع كل هذه التشريعات التي تسمح برقابة مكثفة علينا، سيشعر مديرو شركاتنا الكبرى بالسرور؛ لأن من كان يتظاهر ضد العولمة أصيب برعب أبدي. انتهت أعمال الشغب في سياتل وكيبيك وجنوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت