أ. مجدي أحمد حسين*
منذ انهيار المعسكر الشيوعي قفز إلى رأس جدول أعمال العالم موضوع الصراع بين الغرب و الإسلام وتحول إلى محور رئيسي للسياسات الدولية, وفى المقابل بدأ الترويج لمقولة مضادة وهى حوار الحضارات بعيدا عن صراع الحضارات, وتشكلت من أجل ذلك العديد من المنتديات الدولية.
في العالم الإسلامي ظن البعض أن مواجهة العداء الغربي للإسلام تتم من خلال عدة محاور: إبراز شعار حوار الحضارات - تحسين صورة الإسلام في الغرب - تغيير الخطاب الديني الإسلامي بحيث يكون مقبولا على المستوى الدولي عامة والغربي خاصة.
حول هذا الموضوع جرت الكثير من المساجلات اختلط فيها الثابت مع المتغير, اختلط فيها تحديد من أين نشأت المشكلة بين الشرق والغرب, أو بالأحرى أي جانب هو المسئول عن سوء التفاهم , اختلط فيها ما هو عقدي مع ما هو سياسي , ما هو مبدئي مع ما هو عملي ( براجماتي ) , بل اختلط فيها كثير من الحقائق الساطعة , من المسئول عن أزمة الثقة , من المعتدِى ومن المعتدَى عليه , بل غلب على النخبة الإسلامية الرسمية وغير الرسمية الطابع الاعتذاري عن جرائم لم نرتكبها , وكأن ضعفنا المادي وتأخرنا عن مواكبة أسباب التكنولوجيا المتطورة سبب كاف لخلط الأوراق , وعدم ذكر الحقائق التي جرت وتجرى على مشهد ومرأى من العالمين.
ولكل هذه الأسباب أرى أن أركز على الثوابت الإسلامية فيما يتعلق بهذا الموضوع: نحن والغرب أو بالأحرى نحن وكل الآخرين من غير المسلمين.
وسنجد في إسلامنا كل ما يمكن أن نفاخر به , بل ونتحدى إذا كان لدى الآخرين ما هو أفضل وأكثر عدلا ورقيا فإننا على استعداد لأن نأخذ به . (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) سبأ 24.
الحوار والتفاهم والتعارف:
لنبدأ بالنقطة الجوهرية التي أفاض فيها الكثيرون من النخبة الرسمية وغير الرسمية في بلاد المسلمين , والتي يركزون عليها دون باقي النقاط المكملة لها , ولكننا نبدأ بها لنؤكد أنها فكرة صحيحة وأساسية بلا خلاف , ولكنها ليست كافية لعرض موقفنا كله إزاء المتغيرات المختلفة .
ونقصد أن الإسلام يحض على الحوار والتفاهم والتعارف والتعايش السلمي, ذلك أن الدين الحق لا يقوم إلا على الإقناع و الاقتناع, ولا يوجد إيمان بحد السيف , فالإيمان لغة هو التصديق. (1)
وآيات القرآن عديدة في هذا المجال .. (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة. وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل125 . (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة 256 .. (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس99.
ولأن البشرية تنقسم إلى شعوب و قبائل فان الدعوة تكون (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا , إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات13.
وعندما تتمايز الأمم فان الهدف الأسمى هو التعايش والتعارف وعدم استعلاء طائفة على أخرى, أو لا أمة على أمة, ثم يكون الأكرم عند الله هو الأكثر تقوى, والحساب النهائي عند الله وليس على هذه الأرض الفانية. وحتى الخلاف العقدي فهو متروك لله عز وجل كي يحكم فيه يوم القيامة (ثم إلىّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) آل عمران55.
إذن من وجهة النظر الإسلامية الخالصة, لا توجد أي مشكلة على الأرض , بسبب الخلاف في الرأي أو العقيدة أو اللون أو العرق أو القومية, بل إن الإسلام يدعو إلى مباراة سلمية في إعمار الأرض والتخلية بين الإنسان و اختياراته العقدية.
من أين يأتي الصدام؟!
من أين يأتي الصدام إذن ؟ من أين تنشأ المشكلة؟
تأتى من الطرف الذي يرفض المبادرة السلمية ويستخدم وسائل الإكراه في فرض هيمنته ورؤيته ومصالحه.
وإذا افترضنا أن الكرة الأرضية مسرح واحد متواصل فإننا كإسلاميين نقبل منطق المباراة السلمية, ولترفع العقبات والروادع عن كل الرؤى والأيديولوجيات ولنترك الحكم لجمهور البشرية, ولكن الغرب لم يقبل بهذا المنهج، بل وصل الأمر إلى حد التدخل في شؤون الدول العربية و الإسلامية ضد الأنظمة ذات التوجه القومي, ثم ضد الأنظمة ذات التوجه الإسلامي, ثم انتقل الآن إلى الأنظمة الصديقة يريد أن يتدخل في أسلوب حياة مجتمعاتها ومناهج التعليم و الخطاب الديني.
والآن تتم عملية تعليق هذا التدخل على مشجب أحداث 11 سبتمبر في حين أن تاريخ التدخلات قديم ولم ينقطع بعد فترة الاستعمار التقليدي, وكانت التدخلات الغربية متصاعدة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين, وعندما نشير إلى الغرب فإننا نشير بشكل خاص إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي اتخذت السياسة الأكثر غلوا, ولكن أوروبا لم تعارض هذا التوجه الأمريكي جذريا ولم تقدم بديلا متماسكا للعلاقات بين الإسلام و الغرب, وكان خلافها مع الولايات المتحدة تكتيكيا خاصة ألمانيا وفرنسا وبلجيكا. بل لقد عادت بنا الولايات المتحدة إلى مرحلة الاستعمار التقليدي مرة أخرى باحتلال أفغانستان والعراق والتهديد باحتلال دول أخرى.
وبالتالي نحن أمام الوضع التالي: