فهرس الكتاب

الصفحة 5233 من 27364

د. غازي التوبة 22/7/1427

تأرجح الموقف من الدين الإسلامي عند دعاة النهضة خلال القرن الماضي بين موقفين:

الأول: اعتبر أنّ الدين لا يحول بين المسلمين وبين النهضة، وأنّ المشكلة تكمن في نقل التنظيمات الغربية، وفي فتح باب الاجتهاد، وفي المواءمة والتوفيق بين المعطيات الشرعية ومعطيات الحضارة الغربية.

الثاني: يعتبر أنّ الدين الإسلامي يحول بين المسلمين وبين النهضة؛ لذلك يجب عزله وتجاوزه وتأويل المتعارض منه بما يتفق مع معاني الحضارة الغربية.

وانطلق أتباع الموقف الثاني من المشابهة بين أوروبا والعالم الإسلامي؛ فأوروبا نهضت عندما نبذت الدين وعزلته في الكنيسة، ومنعته من أن يتدخّل في شؤون الحياة، وحصرته في زاوية العبادة الشخصية، وكذلك على المسلمين أن يفعلوا الشيء نفسه من أجل النهضة والانبعاث والارتقاء وامتلاك الحضارة، فعليهم أن يحصروا الدين في المسجد، ويجعلوه منظِّماً لعلاقة الفرد بربه فحسب. ناسين أنّ الذي جعل أوروبا تنبذ الدين هو تعرّض المجتمع الأوروبي لأزمات وجودية بنيوية ظهرت في أمرين:

الأول: تعارض الدين مع العقل عندما غالطت الكنيسة الحقائق العلمية من مثل: دوران الأرض حول الشمس، وأفتت بكفر القائلين بتلك الحقائق.

الثاني: تعارض الدين مع الفطرة عندما احتقرت الكنيسة الدنيا والشهوات، واعتبرت أنّ الخلاص يكون بنبذ الدنيا وقتل الشهوات، واعتبرت أنّ العلاقة الجنسية مع المرأة نَجَس، وأن الفوز بالآخرة يكون بالابتعاد عن الشهوات والإقلاع عن الزواج والدخول في عالم الرهبنة والكهنوت.

لكن هل هذه المشابهة والمقاربة بين أوروبا والعالم الإسلامي صحيحة؟

لا أظنّ ذلك، لأنّ الوقائع التاريخية تشير إلى أننا لم نعانِ مثل تيْنِكَ الأزمتين الوجوديتين البنيويتين، وإنما هما خاصّتان بالغرب، لذلك فإنّ سحب نتائجهما على الدين الإسلامي توسيع خاطئ وجهل بحقائق الإسلام.

برز الموقف الأول خلال القرن التاسع عشر، وقامت قيادات في إستامبول ومصر وتونس بالتوفيق، والمزاوجة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، فأصدر السلطان العثماني خط كلخانة عام 1838 والخط الهمايوني الشريف عام 1856م، وقد دعا الخطان إلى الإقرار بحقوق الإنسان، وإلى العمل بالحرية الاقتصادية واقتصاد السوق، وإلى المساواة بين الطوائف، وتنفيذ حق المواطنة لجميع الأفراد في الخلافة العثمانية الخ...، كما أصدر السلطان دستوراً للخلافة العثمانية عام 1876م وأجرى انتخابات على إثره في كل أنحاء الخلافة، وتكوّن مجلس (المبعوثان) الذي كان بمثابة برلمان للخلافة الخ...، وأصدر الخديوي في مصر قرارات مشابهة لما عمله السلطان في الأستانة، فأصدر قراراً بتشكيل مجلس شورى القوانين، وأرسل البعثات التعليمية إلى فرنسا، وأقرّ تعليم البنات، وطوّر الجيش المصري وزوّده بأحدث الأسلحة الخ...، وأصدر الباي في تونس (وكانت تابعة للدولة العثمانية) عهد الأمان في عام 1857م، وكان مقدمة لإصدار الدستور في عام 1861م، ولإنشاء مؤسسات من مثل: مجلس الجنايات والأحكام العرفية، ومجلس التحقيق، ومجلس الشورى.

لكنّ الموقف من الدين تغيّر في القرن العشرين، وأصبح الموقف الثاني هو الغالب، وراجت مقولاته التي تعتبر أنّ الدين هو العقبة أمام النهضة، وهو السبب في التأخّر والتخلّف، وترافق ذلك مع سيادة الفكر القومي بشقيه: التركي والعربي بعد الحرب العالمية الأولى، أما في المجال القومي التركي فاعتبر كمال أتاتورك أنّ الأمّة التركية أمّة طورانية، وأنّ الإسلام طارئ عليها، وأنّ عليها أن تفرز روابطها العرقية مع الأتراك في شرق أوروبا، وأنّ عليها أن تنبذ الدين الإسلامي لتدخل عالم الحضارة والحداثة، لذلك ألغى الخلافة العثمانية، وفصل الدين عن الدولة، وألغى التشريعات الإسلامية، وألغى الحجاب، وفرض اللباس الغربي والبرنيطة، وأعلن الأذان باللغة التركية، كما فرض استخدام الحروف اللاتينية في اللغة التركية بدل الحروف العربية الخ...

أمّا في المجال القومي العربي فقد قامت بعد الحرب العالمية الأولى دول قومية عربية في العراق وسورية والأردن وفلسطين، واعتبرت هذه الدول نفسها أنها أجزاء من أمّة عربية تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، وليس الدين عاملاً في تشكيل هذه الأمّة، لذلك اتجهت الحكومات الوطنية في هذه الدول إلى بناء الإنسان والإدارة والاقتصاد والجيش والمجتمع والفنون والتربية بمعزل عن الدين وتوجيهاته وأحكامه؛ لأنّ الدول القومية والوطنية في الغرب لا تعطي دوراً للدين، ويمكن أن نسحب الحكم السابق على الدولة المصرية التي اعتمدت نوعاً آخر من القومية تقوم على البعد الجغرافي وهي القومية المصرية الفرعونية، لكنها تعاملت مع الدين بنفس طريقة؛ تعامل الدولة القومية العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت