لمؤلفها
الشيخ ناصر الدين الحجازي الأثري
رحمه الله تعالى
عُني به عبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف
شبكة نور الإسلام
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين
وعلى آله وصحبه أجمعين .
فإنّ هذه الرسالة الموسومة بـ ( النفخة على النفحة والمنحة ) ذبٌّ عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى - وردٌّ على دعاوى وأكاذيب سوّدها عبد القادر الاسكندراني 1 في رسالته ( النفحة الزكية في الردِّ على شبه الفرقة الوهابية ) وقد تميّز هذا الرد الموجز بمزايا عديدة منها: قوة الرد ، وإفحام الخصم ، والاحتجاج عليه بكلامه ، وسعة اطلاع المؤلف على المطبوع والمخطوط ، كما كان الرد موضوعيَّاً وبعيداً عن الحدة وغَلَبَة العاطفة ، وتميَّز الرد أيضاً بالتثبت في النقل والدليل في الدعوى - إن كنت ناقلاً فالصحة ، أو مُدَّعِياً فالدليل - .
ونلحظ في الردّ العظة والتذكير للمخالف بلقاء الله تعالى ، وأن الله مطَّلع على السرائر ، كما يظهر في ثنايا الردّ الشفقة والرحمة بالمخالف والدعاء له بالهداية ، كما سلك المؤلف مسلك الشدَّة والصرامة في بعض المَواطن ، واستعمل أسلوب التنزل مع المخالف .
وقد طُبِعَت هذه الرسالة لأول مرَّة سنة (1340هـ ) ، وها هي الطبعة الثانية سنة (1421هـ ) مع تصحيح لأخطائها ، وتعليق على مواضع منها .
وأما عن مؤلف هذه الرسالة ، فقد ذَكَر الشيخ عبد الله البسَّام أن ناصر الدين الحجازي هو الشيخ العلامة محمد بن علي بن تركي رحمه الله ( ت 1380هـ ) 2 والله أعلم .
أسأل الله أن يرحم صاحب هذه الرسالة ، وأن ينفع بها ، وبالله التوفيق .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين ,
وصلى الله علي سيدنا محمد الذي أمرنا تعالى بالصلاة عليه بقوله: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ) (الأحزاب:56) .
وعلى آله الكرام وصحبه مدى الدوام ، وبعد:
فإنني بينما كنت سائراً في إحدى طرق مدينة دمشق إذ بصرت برجل عليه سيما العلم وبيده رسائل يوزعها على من لقيه في طريقه ، فقلت: يا للغربة ، إن هذا لنبأ غريب . وكل غريب للغريب نسيب ، فدنوت منه فأهداني رسالة وهو يرتجف ويحرك شفتيه ويصوب نظره ، ويشير إلى أنه أبدع فيما كتب ، وتناول مقال الحق من كثب ، فقلت: لا بأس هذا شأن من يفرح إذا كتب سطراً ، ومن بعد الحصر والعي قال شعراً ، فذهبت إلى مسجد من مساجد البلد وإذا رجل من أهل العلم جالس به ، فلما أبصرني والرسالة بيدي ، هزَّ رأسه ، وقال لي: ما هذه الرسالة ؟ فقلت له: رأيت عنوانها ، وإن من حاكها أسماها ( النفحة الزكية في الردِّ على شبه الفرقة الوهابية ) ، ومؤلفها يزعم أنه من أكابر علماء دمش ، يقال له: الشيخ عبد القادر الاسكندراني المنتحل لنفسه لقب الكيلاني ، فقال لي: يا أخي: إنك لست من أهل البلد ، وليس لك خبرة فيما هناك ، إن مدَّعي هذه الرسالة شن الغارة على كتاب ( الفجر الطالع ) لجميل صدقي الزهاوي (3) ، وعلى ما لفَّقه الشيخ دحلان 4
فأخذ ما اختراه منهما ، ولم يزد من عنده إلا أحرفاً يسيرة ، فدهشت لذلك ، وأخذت الرسالة أتصفحها ، وأملي على مواضع منها ، تنبيهاً لمؤلفها عساه إذا رجع إلى تأليف غيرها أن يعلم قاعدة المحققين في الردِّ أنهم ينزهون أنفسهم عن السباب والشتم لمن يردن عليه ، ويجعلون نصب أعينهم قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) ) ( الحجرات: 6) .
ثم يأخذ جملة من كلامه فيبين الغلط فيها ، ثم جملة حتى يستوفي الكلام بلا تحامل ولا اعتساف ، وأن يتلو قوله تعالى: (( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) ) (الزمر:31) .
وليعلم أنه إذا اشتم تلك النفخة وثاب إليه رشده قابل الضد بالضد ، ورجع من بعد وصالها إلى الصد ، ولكن
وكلٌّ يدَّعى وصلاً لليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا
وحيث إن ذلك الفاضل لم يسلك في ردِّه مسلك فن الجدل والأصول والمنطق ، جاريناه على مسلكه وقلنا إننا نلوي العنان عن ذلك ، ونرجع إلى المقصود خدمة للحقيقة فنقول: صدَّر صاحب النفحة رسالته بما لفَّقه الشيخ أحمد دحلان في آخر تاريخ أمراء البيت الحرام فسلك موطئ قدمه حذو النعل بالنعل بلا تأمل ولا تدبر ، ولا شك أن الله تعالى يجمع الكل يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون .
وقبيح بمؤلف يملأ كتابه بالافتراء والتعدي ، وفي قصة الإفك أعظم رادع لمن كان يؤمن بالله ورسوله ويطلب النجاة لنفسه فيحاسبها خالياً (( وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) ) (الذاريات:21) .