فهرس الكتاب

الصفحة 3499 من 27364

إن صيانة السفينة، واجب مشترك بين أفراد الأمة الإسلامية، وجماعاتها، وأحزابها، ومؤسساتها الرسمية والشعبية، كل بحسب قدرته وموقعه.

وأقصد بالعلماء هنا علماء الشريعة، وهذا لا ينفي وجود علماء متخصصين في جوانب أخرى تقع عليهم مسؤولية صيانة السفينة في حدود قدرتهم بحسب تخصصاتهم، وسيأتي الحديث عنهم، في مكانه من هذه السلسلة؟

لذلك سأبدأ بمسؤولية مشايخنا وعلمائنا الأفاضل في كل البلدان الإسلامية، فهم ورثة الأنبياء في نشر العلم وبيان الحق والبلاغ المبين، لمكانهم الذي بوأهم الله تعالى فيه، وهو فقه دينه من كتابه وسنة رسوله، وما مهده لهم سلفهم من طرق البحث والاستنباط والقواعد والأسس التي تمكنهم من السير على منهاجهم.

وسيكون بيان هذه المسؤولية في المحاور الآتية:

المحور الأول: أن يستحضر علماؤنا الأفاضل مسؤوليتهم التي كلفهم الله تعالى إياها في كتابه وعلى لسان رسول صلى الله عليه وسلم ، والتي سار عليها علماء المسلمين في القرون المفضلة، ودعوا مَن بعدهم إلى حتذائها، ليستقيم حال الأمة على نهج الإسلام العظيم.

ولا أرى حرجا في تذكير هؤلاء العلماء بشيء من ذلك، مع علمهم به أكثر مني، لأن الذكرى تنفع المؤمنين.

والإنسان -مهما كان فضله-في حاجة إلى التذكير، لأنه معرض للغفلة، وللتنشيط، لأنه معرض للكسل، وللنصيحة، لأنه معرض لتثبيط الشيطان ووساوسه.

إن من أهم وظائف العلماء التي ناطها الله تعالى بهم بيان الحق وإظهاره للناس، اقتداء برسول ا صلى الله عليه وسلم ، والرسل من قبله.

قال الله تعالى: (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) )المائدة: (67 ) ) )

وقال تعالى: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) )يوسف: (108)

وتوعد سبحانه وتعالى من كتم الحق عن الخلق أشد الوعيد، فقال: (( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) )البقرة: (159)

ولما كان علماء أهل الكتاب يكتمون الحق ليأخذوا به عرضا من الدنيا: مالا أو جاها أومنصبا، أبرز الله تعالى مع وعيده الشديد لهم ذلك الداعي إلى كتمان الحق، فقال تعالى: (( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) )البقرة: (174)

وكل من كتم الحق من العلماء في أي عصر من العصور، وفي عهد أي نبي من الأنبياء، استحق ذلك الوعيد الذي ترتعد له فرائص العقلاء.

بل إن علماء المسلمين لأولى بهذا الوعيد الشديد ممن سبقهم من علماء الأمم الماضية، لأن الحق في هذا الدين محفوظ في مصدريه: القرآن الذي حفظه الله، فلم يتمكن أحد من تحريفه، بخلاف الكتب السابقة التي لم تعد صالحة للرجوع إليها، لأنها قد حرفت، وما بقي منها لم يحرف كتمه علماؤها.

ولو كانت كلها محفوظة-على سبيل الفرض- فقد هيمن عليها كتاب الله، فلا حق إلا ما جاء به وشهد له بأنه حق، كما قال تعالى: (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق... ) )المائدة: 48

وهذا يُحَمِّل علماءنا الأفاضل مسؤولية عظيمة، لأنهم وحدهم يملكون مصدر الحق الإلهي، وهو كتاب الله المحفوظ الذي (( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) )فصلت: (42)

(( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) )الحجر: (9)

وكما تولى الله تعالى حفظ كتابه بنفسه، فقد هيأ عباده الصالحين لحفظ سنة نبي صلى الله عليه وسلم ، فبينوا صحيحها من ضعيفها وموضوعها.

كما هيأهم لاستنباط المعاني والأحكام من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، والرد على كل افتراء وتحريف لمعانيهما.

المحور الثاني: العلماء ركن ركين في ولاية الأمر:

لقد كان العلماء هم ولاة الأمر في العصور الإسلامية الأولى، فكان الخليفة هو رئيس الدولة، وإمام المصلين في محراب مسجدهم، وقائد جيوش جهادهم، وقاسم مالهم فيهم... ثم انفصل العلم الشرعي عن إمارة الحكم بالتدريج، وبقي العالم يفتي وينصح، والحاكم يستفتي ويستشير وينفذ-في الغالب-، ثم حدث الانفصال التام بين الأمراء والعلماء، فاستبد الحكام بالأمر فجمعوا بين الولاية الزمنية، وهي التصرف الكامل في شؤون الأمة، وبين التشريع الذي يصد عن تطبيق شرع الله من كتابه وسنة رسول صلى الله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت