فهرس الكتاب

الصفحة 20684 من 27364

محمد جلال القصاص

لازالت شريحة كبيرة من المثقفين تتكلم عن محمد عبده على أنه إمام ورائد للنهضة الحديثة ، ويدعوا نفر من المحسوبين على التيار الإسلامي إلى إعادة نموذج محمد عبده الإصلاحي ثانية للنهوض بالأمة الإسلامية من جديد . . لذا رأيت أنه من الضروري إلقاء الضوء على نموذج محمد عبده الإصلاحي . وبيان كيف أنه كان البذرة التي أثمرت الشوك فيما بعد .

من هو محمد عبده ( 1849 م ــــ 1905 ) ؟!

بعد فشل الحملات الصليبية على البلدان الإسلامية ، وأسر لويس التاسع في دار بن لقمان بالمنصورة وفِديته . كان هذا الرجل فطنا ، عاد يحدث قومه: لن تستطيعوا التغلب على هذه الشعوب وأنتم تحملون الصليب ، هذه الشعوب تهب حين تُأْتَى من قبل دينها . فتعلم الصليبيون الدرس ، وعادوا إلينا يدَّعون أنها أهداف اقتصادية ، وأنهم علمانيون لا دينيون ، والحقيقة أنهم يحملون ذات الثارات القديمة ، والفارق بينهم وبين أجدادهم أنهم لا يجملون الصليب .وكان الاحتلال البريطاني لمصر جزء من هذه الحملة الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي ، فمنذ قدومهم عملوا على نزع الهوية الإسلامية عن شعب مصر ،وإعادة قراءة النصوص الشرعية بما يتفق مع مطالبهم .وقد عملوا على إيجاد جيل كامل من أصحاب الشذوذ الفكري والطموح السياسي كما يقول الدكتور محمد محمد حسين ليتولى هو مخاطبة الشعب وتغيير هويته .

وقد وجد القوم بغيتهم في ( الشيخ ) محمد عبده... لماذا ؟

يرجع هذا إلى نشأة ( الشيخ ) وطبيعة أفكاره . فقد ( كان الشيخ اعتزالياً متتطرفاً ، هذا أقرب ما يمكن أن يوصف به الشيخ من الانتماءات المذهبية وإن كان في الواقع له اتجاه مستقل أحياناً ، وتظهر إعتزاليته في تفسيره للملائكة والجن والطير الأبابيل وخلق آدم ، وربما كانت هذه التأويلات هي التي دفعت كرومر إلى قوله"أشك أن صديقي عبده كان في الحقيقة لا إدرياً"نقلها عنه جب ص 399 دراسات في حضارة الإسلام ) [1]

تأثر ( الشيخ ) محمد عبده بجمال الدين الأسد أبادي (الأفغاني ) والذي نفي إلى مصر لفكره الاعتزالي وأرائه الغريبة إذ أنه كان منبهراً هو الآخر بالغرب وقوانينهم فنادي بأن الأمة هي مصدر الحكم ، ونادى بوحدة الأديان ، والسلام العالمي ،وأن الاشتراكية من الإسلام . ورحل إلى أمريكا مستنصرا . [2]

وحمل محمد عبده ذات الأفكار ، وأفسح الإنجليز له المجال ليتكلم إلى الشعب من أعلى المنابر في مصر وأكثرها قبولا لدى العامة وهو منبر الإفتاء ، وليكون لسانه لسان الشرع .

أما كونه حمل ذات الأفكار ودعى إليها فقد جاء في مقدمة رسالة التوحيد لمحمد أبو ريّة ـــ وهو من أحباء الشيخ ــــ نقلا عن مستر بلنت في كتابه ( التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر) ص:76 وهو يتحدث عن الشيخ جمال الدين الأفغاني ورسالته في الشرق وإصلاحه يقول: أما عباءة المصلح نفسه ـــ يعني جمال الدين ـــ فقد ألقيت على عاتق أقوى من عاتق صاحبها الأصيل ( الشيخ ) محمد عبده وقد خلف جمال الدين في زعامة حزب الإصلاح الحر في الأزهر .

أما كون الإنجليز أفسحوا له المجال فهذه حقيقة لا يماري فيها من له أدنى دراية بـ ( الشيخ ) ، والذي يتضح لي أن شخصية محمد عبده اتفقت مع هوى الإنجليز ، فحدث بينهما التقاء وتعاون ، وثقة متبادلة ، يصفها البعض بالعمالة ويشتد البعض في اللفظ فيصفها بالخيانة والمحصلة واحدة ، وما يعنيني هو أن الشيخ كان على علاقة قوية بالإنجليز . لم ينكر هذا أحبابه فهذا يوسف الغزال في تقديمه لرسالة التوحيد يفسر سوء العلاقة بين الشيخ والخديوي عباس بقوة علاقة الشيخ بالإنجليز وكثرة تردده عليهم . [3] وعلانية امتدحه الإنجليز ورضوا عن أقواله وأفعاله ، ووقفوا ورائه يغدقون عليه الألقاب ، ويرسلون فتواه في كل مكان .

واقرأ هذا النص ، وهو من قول مستشار القضاء الإنجليزي بمصر في تقريره عن المحاكم لسنة 1905م وهو العام الذي توفى فيه الشيخ يقول: ولا يسعني ختم ملاحظتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليو الفائت وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة الفادحة التي أصابت هذه النظارة بفقده .."إلى أن يقول:"وفوق ذلك فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيراً من القوانين المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية ...." [4] "

معذرةً أرجو قراءة النص مرة أخرى !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت