فهرس الكتاب

الصفحة 19547 من 27364

البُعدُ الوطني عند الوطنيين

[الكاتب: عبد المنعم مصطفى حليمة]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد ...

أعني بالبعد الوطني عند الوطنيين؛ أي الذين يزعمون الوطنية من طواغيت الحكم والظلم في منطقة الشرق الأوسط ومن يدخل في موالاتهم ونصرتهم من العلمانيين بكل تشعباتهم ومذاهبهم ومسمياتهم، فالوطن والوطنية عند هذا الفريق من الناس؛ شعار أجوف لا طعم له ولا رائحة، ولا وجود له على الحقيقة، أرادوا منه تمييع وتغييب عقيدة الولاء والبراء في الإسلام وحسب!

البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ لا يتعدى أن يكون ولاءً للحاكم، ولنظام الحاكم، وأيما شخص يُعارض الحاكم، والنظام الحاكم، فهو - عند هؤلاء الوطنيين - غير وطني، وضد الوطن، ومن أعداء الوطن!

البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ يعني الراتب الشهري الذي يتقاضونه من الحاكم ونظامه، والامتيازات التي يخصهم بها دون غيرهم، مقابل وطنيتهم، وولائهم له، ولنظامه الحاكم، ولو توقفت الرواتب، وتوقف العطاء، توقفت الوطنية، ولعنوها، وباعوا الوطن ومن فيه بثمن بخس!

البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ يعني أن الوطن وما فيه، ومن يعيش فيه، ملك للحاكم ولعائلة الحاكم سواء كان هذا الحاكم رئيساً أم ملكاً، والإنسان في هذا الوطن وما يملك ما هو إلا من جملة ممتلكات وعقارات الرئيس أو الملِك، يحق لهذا الرئيس أو الملك أن يتصرف بها بيعاً وشراءً وهِبة، وتنازلاً، كيفما يشاء، ومن دون أن يُسأل عما يفعل؛ لأن الملك أو الحاكم فوق المساءلة والمحاسبة، والدستور والقانون يُجرِّم مُساءلته ومُحاسبته، وكيف يُسأل ويُحاسَب والدولة شعباً وأرضاً وثروة، من ملكه، وملك أبيه!

وعندما يَرفع ملك من الملوك شعاراً - كما في بعض البلاد العربية -"الإنسان أغلى ما نملك"، ويُرفَع على مباني ومؤسسات الدولة والمجتمع، إنما هو يعني كل ما تقدم ذكره، وأن الإنسان في دولته ومملكته ملك يمينه، وعبد ومملوك له!

لذا نجد الحاكم أو الملِك في تلك البلاد لا يمكن أن يقبل فكرة التخلي عن مقاليد الحكم والملْك لغيره - مهما مضى على حكمه للبلاد والعباد - ما دام في جسده عِرق ينبض بالحياة، وما ذلك إلا لاعتقاده - وذلك كله وفق القانون والدستور كما يزعمون - أن البلاد والعباد من ملكه، لا يحق لهم أن يخرجوا عن طاعته، وملكيته، وحقه في التصرف بهم كيفما يشاء، كما لا يحق لأحد أن يُخرجهم عن طاعته، وملكيته، وتصرفه بهم كيفما يشاء!

البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ يعني سلامة عرش الملك أو الرئيس، وسلامة مصالحه الخاصة، فلو دُمِّر الوطن كله، وبقي عرش الملك أو الرئيس سالماً فالوطن بخير، وهو عامر بالمسرَّات والانتصارات!

هذا البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ هو الذي يجعلنا نُحسن تفسير هجرة كوادر وطاقات الأمة خارج البلاد، باحثة عن أرض أمان تشعر أن لها فيها حقاً تملكه، وتتصرف به بحرية، بعيداً عن محاولات السطو، والنصب والنهب، والاستعباد!

هذا البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ هو الذي يجعل كثيراً من الشعوب لا تفكر بجد وإخلاص كيف تعمل على تحسين مستوى اقتصاد وقوة الوطن الذي تنتمي إليه، ومستوى معيشة المواطن، لاعتقادهم المسبق أن الوطن ليس وطنهم رغم أنهم هم أهله وأصحابه وسكانه أباً عن جد، وأن كل ما يقومون به من مشاريع وأعمال نافعة ستصب في خدمة الحاكم وزمرته، وأهوائه وشهواته، وإلا ستبوء بالفشل والخسران، وأن الوطن والمواطن لن ينالهما من ذلك الخير شيء إلا بقدر ما يتساقط من فُتات يُرمى من على موائد الحاكمين المترفين!

هذا البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ هو الذي يجعلنا نُحسن تفسير انهزام جيوش العرب من أول طلقة تُطلَق عليها من أعداء الأمة، لاعتقاد الجند وشعورهم أنهم جند عند الطاغوت، وأنهم يُدافعون عن وطن الملك أو الرئيس، وعن حكمه ونظامه، وليس عن أوطانهم وأوطان المسلمين الذي يُعتبر الذود عنها ورد العدو الصائل عنها من أهم فروض الأعيان في الإسلام!

هذا البعد الوطني عند هؤلاء الوطنيين؛ هو الذي يجعل كثيراً من الشعوب العربية والإسلامية لا تبالي ولا تكترث للكوارث والمصائب التي تحل بالبلاد والعباد، لعدم شعورهم أن البلاد بلادهم، وأن ما يملكونه هو لهم، قد وهبهم الله إياه!

أيما مصاب أو بلاء أو ضررٍ ينزل في أي بلدٍ من بلاد الغرب تتفاعل معه الشعوب قبل الحكام، وقبل الجهات الرسمية، لاعتقادهم وشعورهم أن البلاد بلادهم، وليس بلاد الحكام وحسب، وأن لهم في البلاد مثل ما للحكام وزيادة، بينما في عالمنا الشرق أوسطي كما يسمونه - وللأسف - نرى الشعوب تتجاهل ما ينزل في البلاد من ضرر وبلاء، بل وكثير منهم يتمنى نزول البلاء في البلاد، ليس حباً في إضرار البلاد والعباد، وإنما لشعورهم أنهم لا يملكون شيئاً حتى يتضرروا فيه، فقد فقدوا كل شيء، ومن يفقد كل شيء، فأي شيء يحزن أو يقلق عليه أو لأجله، ولشعورهم كذلك أن هذا الضرر ينزل بساحة الحكام المتملكين المتسلطين، وعائلاتهم والمقربين منهم، وهو يطالهم وحدهم دون غيرهم، وهذا مطلب مرغوب لدى هذه الشعوب المقهورة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت