فهرس الكتاب

الصفحة 9986 من 27364

الثلاثاء:24/08/2004

(الشبكة الإسلامية)

علم الاستشراق يحتاج إلى تصدي

مثَّل الاستشراق، ولا يزال يمثل، تحدياً صارخاً أمام الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية، ونحن ـ كما ذكرنا في المقال السابق بعنوان"الفكر الاستشراقي.. وأثره على الدعوة"أمام هذا التحدي لا يكفي فقط أن نبدي الغضب والاحتجاج، الأمر الذي يعيبه علينا المستشرقون، بل ينبغي علينا أن نأخذ الأمر مأخذ الجد ونرد الصاع بالصاعين، وفي هذا أظننا بحاجة إلى أن نعمل في مسارين اثنين في آن واحد:

الأول: تنقية الذاكرة الغربية من مخلفات استشراق القرون الوسطى والتي تثبط همم الغربيين عن دراسة الإسلام ومبادئه.

والثاني: مناهضة المستشرقين أنفسهم مناهضة جادة وشاملة حتى يتهدم بنيان أفكارهم هدماً كاملاً ، بحيث لا يجد طريقاً للنهوض مرة أخرى .

ففي إطار الأمر الأول لا أظن أنه يكفي فيه مجرد الردود الكتابية، إذ إن مثل هذه الردود بذل الكثيرون فيها إلى اليوم مجهوداً مشكوراً ولكن رغم ذلك لازالت آثار الموقف المجافي للحقيقة، والذي ولدته كتابات العصور الوسطى في أوروبا، قائمة.

أما السبب في هذا الإخفاق في إزالة المفتريات الاستشراقية فأظن أنه يكمن في عزوف الإنسان الغربي عن قراءة الموضوعات الدينية وعن الاهتمام بكل ما هو ميتافيزيقي، بعد انتشار الفكر الإلحادي الذي ألقى الأديان كلها، من غير استثناء ، في سلة المهملات، فالبحوث الدينية التي ألفت في هذه الفترة، سواء أكانت تتعلق بالإسلام أم المسيحية أم غيرهما من الأديان لم تلق آذاناً صاغية في المجتمع الغربي، فلم يقرأها إلا العدد القليل؛ مما جعل الرؤى الاستشراقية عن الإسلام تظل باقية كعادتها في عقول الغالبية العظمى من الأوروبيين الذين يرثون تلك الرؤى خلفاً عن سلف.

بل الحال، كما أعتقد، يكمن- بالإضافة إلى إعداد كتب جيدة تعرض الإسلام بصورة موضوعية وتناقش المفتريات الاستشراقية بصورة علمية رصينة -في تحريك العمل الدعوى في العالم الغربي على نطاق أوسع بحيث لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا وقد طرقنا بابه ووضحنا لأصحابه حقيقة الإسلام والصورة الصحيحة التي كانت عليها حياة نبي الإسلام، وقبل هذا وذاك أن نخلق في الوعي الغربي أهمية التدين بإزالة ما به من شبهات إلحادية وتساؤلات لا دينية وذلك حتى ينصت الغربيون إلينا فيستمعوا إلى ما نود قوله بقلوب يقظة وعقول منتبهة.

أما في نطاق الأمر الثاني، وهو مناهضة المستشرقين وهدم بنيان أفكارهم، فينبغي علينا أن نضع في الاعتبار بأن أزمة الاستشراق هي أزمة المناهج، وليست أزمة التطبيق، أي أن المستشرقين بعد عصر النهضة بدؤوا يخضعون مصادر الإسلام - كما أسلفت ذكره - لقواعد المنهج الفيولوجي والتاريخي وعلوم الإنسان الاجتماع وكلها بمفاهيم غربية، مما جعل حقائق الإسلام تظهر في غير ثوبها بل تصبح مشوهة المظهر، مبتورة الأطراف.

فالخطأ إذن، يكمن في مناهج البحث أو في طريقة توظيف تلك المناهج في سبيل الوصول، إلى أهداف معينة، مما يحتم علينا إذا أردنا مناهضة الاستشراق حقاً وحقيقة أن نغربل تلك المناهج غربلة دقيقة وأن نشير إلى مكامن الخطأ فيها، وأن نبرز كيف أن تلك المناهج استغلت استغلالاً مجحفاً في سبيل الوصول إلى مآرب معينة، فعلى سبيل المثال استغل طه حسين- المنهج التاريخي والفيلولوجي في إبطال صحة الشعر الجاهلي ، بينما أثبت ناصر الدين الأسد، وباستخدام المناهج عينها صحة الشعر الجاهلي، مما يدل على أن الخطأ قد يكمن في طريقة توظيف واستغلال منهج ما وليس في المنهج عينة.

وأظن أن إبراز أخطاء المستشرقين في استخدام المناهج ثم إظهار الفكر الإسلامي وفقاً لمعايير المناهج المتقدمة ليس من الأمر المستحيل، غير أنه يبدو أننا في حين معارضة الاستشراق قد صرفنا معظم طاقاتنا في نقد التطبيقات الاستشراقية واكتفينا في حين تقديم الإسلام بالتزمت عند مناهج ينظر إليها المستشرقون نظرة الازدراء و يطلقون عليها بأنها (بالية) و (لا تاريخية) ، وهناك بعض المستشرقين ممن لا يكتفون بهذا فقط بل يذهبون إلى أبعد من ذلك فيرفضون أن تكون لدينا مناهج معاصرة أصلا، فهذا المستشرق المعاصر"فرنسيسكو غابريلي"يقول بعد أن تبجح بما لديهم من المنهجيات والأدوات: (لا ينبغي على أصدقائنا الشرقيين أن يطلبوا منا دراسة ماضيهم وحاضرهم على ضوء علم التاريخ الحديث الشرقي، أو الفلسفة الحديثة الشرقية، أو علم الجمال أو علم الاقتصاد الشرقي، لماذا ؟ لسبب بسيط هو أن ذلك غير موجود حتى الآن) !!

تطوير مناهج البحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت